الرئيسية » أهم اﻷخبار » الفتوى بالأقوال الشاذة وخطرها على الفرد والمجتمع

الفتوى بالأقوال الشاذة وخطرها على الفرد والمجتمع

10675619_810941908967118_7646963667356370981_n

بقلم : الدكتورأحمد محمد لطفي عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر

الفتوى فى الإسلام عظيمة المقام ، جليلة القدر ، بها تُكْشَفٌ الْحٌجٌب ، وتٌفْتَحٌ الأبواب الموصدة ، وتَظْهَرٌ أصالة الفكر، واستنارة العقل ، ومن خلالها يٌعْرَفٌ صاحب الفقه الفطن من غيره ممن تكون بضاعتهم مسائل متناثرة من هنا وهناك .والقاعـدة الأساسية أن أصول الأحكام الشرعية قـد اكتملت قبيل وفاة النبى صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا “، فالأصول كاملة غير منقوصة ، أما الفروع فلم ولن تكتمل ، إذ إن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية ، ومع التسليم بهذا الأصل يأتى دور المجتهدين والفقهاء فى إظهار أحكام تلك الفروع بردها إلى نظائرها ، أو إلى الأصول التى من الممكن أن تٌبْنَى عليها ، وهنا يأتى دور العقل واختلاف الفكر .

وقد قرر العلماء جملة من الشروط أوجبوا توافرها فى المفتى حتى تحصل له أهلية الإفتاء ، وقد تتغير الفتوى لوجود مبررات تدعو لذلك ، كتغير الأعراف والعادات ، أو تغير وجه المصلحة ، أو تنوع الوسائل وغير ذلك ، إلا أن هذا التغيير لا يتم اعتباطاً ؛ بل لا بد له من ضوابط وشروط ، والقضايا الفقهية مجال خصب لحدوث مثل هذا التغير ، ولكن هذا التغير لا يتم وفق هوى المفتى ؛ بل لا بد من وجود المفتى الفطن الذى يتمكن بعلمه وفقهه من الفتوى برأي دون رأي .

وقد تولى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته مهمة الفتوى ، فما كان لأحد أن يفتي في حضرته إلا بإذنه ، فقد روي أن خصمان جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه ، فقال النبي لعمرو بن العاص : اقض بينهما ، فقال عمرو : أقض بينهما وأنت حاضر ؟ قال صلى الله عليه وسلم : اقض ، فإن أصبت لك أجران ، وإن أخطأت فلك أجر واحد .

وقد كانت السمة الغالبة لدى الصحابة ومن جاء بعدهم من العلماء الموثوق بهم هي التهيب من الفتوى ، خشية المسؤولية المترتبة عليها .ومع كل ذلك قرر العلماء آداباً للفتوى ، ومن بين تلك الآداب ألا تكون الفتوى بالأقوال الشاذة .والأقوال الشاذة : هي تلك الأقوال التي وردت مخالفة للأدلة الشرعية ، يستوي في ذلك أن تكون الأدلة قرآنا أو سنة ، أو إجماعاً ، أو قياساً جليا .

ولقد ابتليت المجتمعات الإسلامية بالكثير ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي ، وقعوا في هذا المأزق الخطير ، فزلت ألسنتهم ، فصاروا يتركون الأقوال التي اعتمدها الجمهور ، ويولون وجوههم الأقوال الضعيفة في المذاهب الفقهية المختلفة .

ومما تجدر الإشارة إليه أن الأمور التي اختلف فيها الفقهاء من الكثرة بمكان ، إلا أن ما تبناه كل فقيه منهم لم يكن لمجرد الهوى والتشهي ، وإنما كان قائما على أسس وقواعد منضبطة ، جعلها كل واحدً منهم أصلاً لمذهبه ، ولذلك نهى الإسلام عن تتبع الرخص في المذاهب الفقهية ، إذ ذلك يكون هو التشهي بعينه .

قال معمر بن راشد : ” لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء ، وإتيان النساء في أدبارهن ، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف ، وبقول أهل الكوفة في المسكر ، كان شر عباد الله ” .

ولا يمكن القول بأن الفتوى بالأقوال الشاذة والضعيفة تعتبر من باب تغير الفتوى ، فالقول بذلك جرم عظيم ، حيث إن تغير الفتوى له مجاله ، فقد قرر العلماء ان الأحكام الشرعية قسمان :

1- أحكام مصدرها النص ، يستوى فى ذلك أن يكون النص قرآنا أو سنة .

2- أحكام مصدرها الاجتهاد والرأى والنظر .

فالنوع الأول له من المكانة والقدسية ما يجعله بعيدا عن التغيير والتحريف ، لأن الحكم الثابت بالنص – من غير نسخ – ثابت ببقاء النص وثباته ، ولا علاقة له باختلاف الأزمنة والأمكنة ، إلا أن هذا النوع لا يمنع من أن يختلف فيه العلماء إذا كان النص الذى ثبت به الحكم من النصوص التى تحتمل التأويل ، كاختلافهم فى تحديد معنى القرء الوارد فى قوله تعالى ” والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ”  ، فالبعض فسر القرء بأنه الحيض  ، والبعض الآخر فسره بأنه الطهر .

أما النوع الثانى من الأحكام فهى الأحكام التى لم ترد بشأنها نصوص ، وهذا النوع من الأحكام ينظر فيه العلماء المجتهدون للوصول إلى حكمه مع مراعاة المقاصد العامة للشريعة ، عن طريق استعمال الأدلة الشرعية المعتبرة ، و هو الذى تختلف فيه وجهات نظر الفقهاء ، فهو مجال تغير الفتوى .

وهذا أمر جد خطير ، له عواقبه السيئة ، سواء على مستوى الأفراد أو مستوى الجماعات ، ومن أهم آثاره :

أولاً : إن الفتوى بالأقوال الشاذة تؤدي إلى قلب موازين المجتمع ، حيث تجعل الغالب نادراً ، والنادر غالباً ، بل تؤدي إلى قلب موازين مناهج الإفتاء المعتمدة عند العلماء سلفاً وخلفاً ، وتكون مدعاة إلى الجرأة على الفتوى ممن لا تتوافر فيهم الأهلية اللازمة لها .

ثانياً : إن الفتوى بالأقوال الشاذة تؤدي إلى شق صف المجتمع ، فالفتوى المنضبطة لها أثرها الفعال في استقرار المجتمع وتماسكه ، والتفاف أفراده حول مائدة الإسلام ، فالخلاف إذا شب في مجتمع أهلكه ، أضف إلى ذلك الهجمات الشرسة التى يتعرض لها الإسلام والمسلمون من خلال المستشرقين الذين لا هم لهم إلا الطعن فى الإسلام ، سواء أكان الطعن فى مصادره ، أم فى رجاله ، وكذلك كثرة الوقائع التى تستجد في بلاد الغرب لا تحتاج إلى شخصية علمية عادية ؛ بل تحتاج إلى شخصية أو إلى مفت ذو مؤهلات عقلية خاصة ، فوق مؤهلاته العلمية ، تحتاج إلى مفت يستطيع لم شمل المسلمين ، وجمع شتاتهم ، لا تفريقهم وشق صف وحدتهم .

ثالثاً : إن الفتوى بالأقوال الشاذة سبب رئيس من أسباب التطرف الفكري الذي تعاني منه الكثير من المجتمعات الإسلامية ، فتلك الفتاوى لها من التأثير على الشباب ما يجعلهم ينجرفون في تيار التطرف والانحراف الفكري ، وما يستتبعه من القول باستباحة الدماء والأعراض ، والقتل والتخريب ، فما الداعي إلى التصريح بجواز رضاع الكبير ، وما الداعي إلى القول بإباحة أبي حنيفة للخمر ، وما الداعي إلى القول بعدم فرضية الحجاب ، كل هذه الأقوال وغيرها ليست إلا شرارة يراد منها إحراق المجتمعات الإسلامية ، وإشعال نيران الخلاف فيما بينها .

رابعاً : إن اعتماد مثل هذه الأقوال والتركيز عليها دليل على الشذوذ في الفكر ، لأن هذه الأقوال في الغالب الأعم تكون في مذاهبها من أضعف الأقوال ، بل إن علماء المذاهب أنفسهم يصرحون بضعفها أو ببطلانها أو بفسادها ، فما الداعي إلى اعتمادها أو التصريح بها في ظل وجود الآراء القوية التي تدعمها الأدلة الشرعية الصحيحة .

خامساً : إن الفتوى بتلك الأقوال يفقد عوام الناس الثقة في الأئمة ، فلو سمع العامي أن أبا حنيفة يبيح الخمر فماذا يظن به ، وقد نهى الإسلام عن تشويه صورة العلماء والأئمة بأي وجه من الوجوه ، بل أمر الإسلام بعدم الالتفات لكل كلام يؤدي إلى النيل منهم ، يقول الحافظ الذهبي :” ويجب علينا أن نعتقد أن الأئمة الأربعة والسفيانين والأوزاعي وداود الظاهري وإسحاق بن راهوية ، وسائر الأئمة على هدى ، ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هم بريئون منه ” .

سادساً : الفتوى بالأقوال الشاذة تعتبر مخالفة للمنهج الصحيح في الفتوى ، فقد قرر العلماء أنه يجب على من يفتي مراعاة النصوص الشرعية وعدم المساس بدلالاتها بأى وجهٍ كان ، كما يتوجب عليه ألا يقوم المفتى بتأويل الفتوى لتغاير النص الشرعى أو توافقه ، أو تأويل النص ليوافق الفتوى أو يخالفها ، بل يجب الالتزام بالأحكام المنصوص عليها .

ويجب على المفتي في حالة اختلاف النصوص الأخذ بالأحوط ، مع مراعاة النتائج التى قد تترتب على ذلك ، فمثلاً مسألة سماع الغناء ، هناك من الأدلة ما يبيح ، وهناك ما يمنع ، وإن كان المبيحون يضعون بعض الضوابط التى تكفل – من وجهة نظرهم – عدم تحقيق الممنوع ، كأن تكون كلمات الأغانى غير مثيرة أو مهيجةً للغرائز ، فمن وجهة نظرى عملاً بالأحوط وتطبيقاً لمبدأ سد الذرائع القول بالتحريم ، خاصةً فى ظل ما تحياه أغلب المجتمعات الإسلامية من الانحلال الخلقى ، والانفصام بين المسلمين وهويتهم الإسلامية ، والغرور بالمدنية الكاذبة ، إضافةً إلى أن هناك بعض المسائل وثيقة الصلة بهذه المسألة ، كمسألة بيع آلات اللهو التى حرمها الفقهاء  ، ومعلوم أنه لا تخلو أغنية من استعمال تلك الأدوات مهما كانت نوعية ألفاظها .

يقول ابن القيم : ” فكم من باطل يخرجه الرجل يحسن لفظه وتنميقه وإبرازه فى صورة حق ، وكم من حق يخرجه بتهجينه وسوء تعبيره فى صورة باطل ، ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك بل هو أغلب أحوال الناس ”

لذا فإن الفتوي بالأقوال الشاذة سلاح فتك يهدد كيان المجتمع ، ونذير خطر يحيط بشبابه ، وعدوى تحاول بكل السبل أن تتمكن من عقول المسلمين ، فعلى العلماء ان يحاربوا ذلك بكل قوة وحزم .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أمين الأخوة الإنسانية يشيد بـ “أكسبوا دبي2020”.. ويؤكد: يدعوني للفخر والعزة

كتب- محمد الغريب أعرب المستشار محمد عبد السلام، الأمين العام للجنة العليا للأخوة الإنسانية، عن ...