الرئيسية » أهم اﻷخبار » الإنتحار والشريعة الإسلامية

الإنتحار والشريعة الإسلامية

 

د.محمد شحاتة عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر

د.محمد شحاتة عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر

 

عالجت السنة النبوية الأمراض التي من شأنها أن تكون سبباً في تدمير الفرد والجماعة، واهتمت أيما اهتمام بحياة الناس، وتوعدت من هدم حياة غيره بالعذاب الشديد، وأمرت الشخص نفسه بأن يحافظ على حياته سواء عن طريق الوقاية من الأمراض، أو عن طريق التداوي، فحياة الناس ليست ملكاً لهم يتصرفون فيها بدون رقابة عليهم، وإنما هي ملك لله، فلا يحق للشخص أن ينهي حياة نفسه، ولا حياة غيره، غير أن بعضاً ممن استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله ظنوا إذا ضاقت عليهم الدنيا، وأصابهم ضر أن أسهل طريقة للتخلص من هذه الهموم وتلكم المشاكل التخلص من الحياة كلها. فبدل أن يلجأ إلى الله الذي لا يلجأ المؤمن إلا إليه، راح يسارع في قتل نفسه ظناً أنه إذا أنهى حياته يكون بذلك قد تخلص من التعب والنصب، ونسي أن هذه الحياة مقدمة لحياة أطول. وللأسف قد انتشرت هذه الظاهرة مع انتشار الفقر، وقلة ذات اليد، والتضييق على الناس في بعض البلاد، وانتشار القهر والذل، حتى صارت ظاهرة من الظواهر التي تهدد المجتمعات، وقد سمعنا في الآونة الأخيرة عن انتحار كثير من الشباب بسبب البطالة أو الفقر وغيرها. ومما يؤسف له أن هذه المشكلة انتشرت أيضاً في المجتمعات المسلمة التي تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، فبدأ ينتشر ويقلد الناس فيه بعضاً. ولكن والحق يقال: “إن هذا يُعد أمراً طارئاً ومُستغرباً لاسيما وأن ديننا يحترم النفس الإنسانية”. ومن هنا صارت الحاجة ملحة إلى التعرف على أسباب الانتحار، ومن ثم الشروع في وضع العلاج كل هذا في إطار السنة النبوية.

وقد شعرت بأن الضرورة ملحة جداً لهذا البحث لا سيما وأنا أسطر هذه السطور أسمع أن شاباً يلقى بنفسه تحت عربات المترو ليتخلص من الفقر، وآخر يشنق نفسه في مزرعته، ومن قبلها آخر يحرق نفسه، ومن قبلها وبعدها أمر لا ينتهي، مع انتشار البطالة وزيادة الفقر، وانتشار الأمراض، ولكن لعل الله أن ييسر لبلاد المسلمين العودة إلى تعاليم دينهم والاستعانة بربهم في سرهم وعلانيتهم.

تعريف الانتحار. قيام الإنسان بقتل نفسه بوعيه أو بدون وعي، أو هو الفعل المقصود لقتل النفس أو زهق الرُّوح عن سابق تصميم. فالتعاريف متفقه على أنه ازهاق الشخص روح نفسه.

بم يتحقق الانتحار: الانتحار نوع من القتل فيتحقق بوسائل مختلفة، ويتنوع بأنواع متعددة كالقتل.  فإذا كان إزهاق الشخص نفسه بإتيان فعل منهي عنه، كاستعمال السيف، أو الرمح، أو البندقية، أو أكل السم، أو إلقاء نفسه من شاهق أو في النار ليحترق، أو في الماء ليغرق، وغير ذلك من الوسائل، فهو انتحار بطريق الإيجاب. فإذا أودى الإنسان بحياته بأي شكل من هذه الأشكال فيكون بذلك منتحراً.

أمثلة من الانتحار بطريق السلب:

أولا: الامتناع عن المباح:  فمن امتنع من المباح حتى مات كان قاتلا نفسه، متلفا لها عند جميع أهل العلم.

ثانيا: ترك الحركة عند القدرة فإذا كان الإزهاق بالامتناع عن الواجب، كالامتناع من الأكل والشرب وترك علاج الجرح الموثوق ببرئه، أو عدم الحركة في الماء، أو في النار، أو عدم التخلص من السبع الذي يمكن النجاة منه، فهو انتحار بطريق السلب.والمسلم مطالب شرعاً بأن يحافظ على نفسه، وأن لا يلقي بها إلى التهلكة، ولا إلى الضرر.

أسباب الانتحار :

السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان إذا كان النهي قد توارد، والعقاب المتوعد به شديد، والفعلة قاسية فلماذا يقدم الإنسان على هذه الفعلة، وهذا يجاب عنه من خلال إبراز أسباب الانتحار.

وهاك بعض الأسباب التي تؤدي إلى الانتحار:

أولاً: ضَعف الوازع الديني . فالمؤمن الحق يرضى بقضاء الله وقدره، وهذا الرضا يمنعه من مجرد التفكير في هذه الجريمة، أما إذا ضعف الوازع الديني عند الشخص فإنه لا يجد ما يمنعه في التفكير في أي جريمة، فلم يستشعر مراقبة الله في السر والعلن، وهذا ما جعل البعض يقدم على هذه الجريمة كما في حديث  الرجل الذي حكم له الصحابة بأنه من أهل الجنة، وقال النبي : هو من أهل النار، فقتل نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بالرَّجُلِ الْفَاجِرِ”.(أخرجه البخاري).

فانظر إلى ضعف الوازع الديني عند هذا الرجل الذ استعجل الموت لمجرد شعوره بالألم، فلم يتحمل آلامه ولم يصبر على قضاء الله فيه فاستعجل وقتل نفسه، وتأمل نهاية الحديث الذي يدل على أن الرجل ضعيف الإيمان بل قد يكون من المنافقين (وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بالرَّجُلِ الْفَاجِرِ).

ولك أن تقارن بين البلدان التي اقتنعت بالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا وبين البلدان الكافرة التي لا تؤمن بذلك، لك أن تقارن بين الجرائم التي تحصل في البلد المسلم الملتزم والبلد الكافر, تجد فرقًا هائلًا خياليًّا, وذلك لخلو الوازع الديني, وغلبة حب المال, وقسوة القلوب التي لم يدخلها نور الإسلام.

ثانياً: اليأس: اليأس عدو قاتل يجعل المرء ينقطع تعلقه بكل شيء، ويذهب رجاؤه حتى بالله، فتسود الدنيا أمامه ولا يرى فيها نوراً بل ظلمات بعضها فوق بعض إذا أراد أملاً لم يكد يراه، والأمل تَوْءَمُ الإيمان؛ قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53). لكن هذا الذي يقدم على الانتحار لم ير هذا النور ولم يتعلق قلبه بالله بل ترك نفسه لليأس كما حدث مع هذا الرجل الذي جاء ذكره في حديث جُنْدُب بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ، بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينا، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ، حَتَّى ماتَ، قالَ اللَّهُ تَعالَى: بادَرَني عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»(متفق عليه).فهذه الرجل أوصله الألم إلى اليأس فلم يثق بربه ولم يرضى بقضاء الله تعالى وقدره، وأوصله الجهل والجزع وعدم الصبر، إلى الاستسلام لليأس والقنوط، وأدي به إلى الانتحار.

ثالثاً: المشاكل الاقتصادية: فالفقر قد يجعل الإنسان يفعل المعصية دون أن يشعر فلا شك أن الفقر قد يجر الإنسان إلى مخالفات شرعية كقتل نفسه وأولاده قال تعالى : (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (الإسراء 31). وقد جاء في قصة الثلاثة النفر الذين آووا إلى غار فسدت الغار صخرة قال أحد الثلاثة: “اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ فَقَالَتْ لَا تَنَالُ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ فَسَعَيْتُ فِيهَا حَتَّى جَمَعْتُهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً..”(متفق عليه) فالمرأة رضيت بالزنا لشدة الحاجة، وكذلك كل من ألجأته الحاجة إلى ارتكاب محرم فإنه قد يضعف لذا ثبت أنه كان يستعيذ r من الفقرِ.(متفق عليه).

رابعاً: المشاكل الصحية الخطيرة: قد يصاب المرء بمرض عضال يعكر صفو حياته ويجعله الألم لا يشعر في الدنيا بحلاوة ولا بلذة مما قد يجعله يقدم على الانتحار كما روى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ جَابِرٍ قَالَ: … هَاجَرَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ فَمَرِضَ فَجَزِعَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ فَقَطَعَ بِهِ بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ فَرَءَاهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ فَقَالَ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ r وَرَآهُ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، قَالَ: فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ»(أخرجه مسلم). فإن قال قائل: ففي هذا الحديث دعا رسول الله عليه السلام ليدي هذا الرجل بالغفران، ودعاؤه ليديه بذلك دعاء له، وذلك لا يكون إلا عن جناية كانت منه على يديه استحق بها العقوبة، فدعا له رسول الله عليه السلام بالغفران ليديه، فيكون ذلك غفرانا له.  قيل له: ما في هذا الحديث دليل على ما ذكرت لأنه قد يجوز أن يكون ما كان من رسول الله عليه السلام من ذلك الدعاء ليدي ذلك الرجل كان لإشفاقه عليه ولعمل الخوف من الله كان في قلبه فدعا له بذلك لهذا المعنى لا لما سواه”.ومحل الشاهد هنا أن المرض جعل الرجل يفعل بنفسه ما يؤلمها لأنه يطلب راحة بدنه الذي أعياه المرض، وأضناه.

خامساً: الجهل .  لا سيما بالعلم الشرعي ومن المعلوم أن الجهل عدو قاتل يقتل صاحبه قبل أن يقتل غيره، وواقع أكثر من يقوم بالانتحار جاهل بالعلم الشرعي. والجهل من سمات آخر الزمان فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَان t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا “(صحيح أخرجه ابن ماجه).

سادساً: الفراغ  والبطالة. فبعض الشباب لا يجد عملاً يعمله مما قد يجعله عرضة لشياطين الإنس والجن، فيقتله الفراغ وهذا الفراغ نعمة فعن ابْن عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ» (أخرجه البخاري) فهاتان نعمتان كثيرًا ما يغبن فيها الإنسان، فإن الفراغ مفسدة للمرء وداء مهلك ومتلف للدين ونفسك إن لم تشغلها شغلتك، فإن لم تشغل النفس بالحق شغلتك بالباطل، فليحرص المسلم على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه فمن فرط في ذلك فهو المغبون. ولكنها عند هؤلاء تحولت إلى نقمة، بسبب عدم وجود عمل نافع يشغل به، وأيما مجتمع تكثر فيه البطالة ويزيد فيه العاطلون، وتنضب فيه فرص العمل، فإن ذلك يفتح أبوابًا من الخطر على مصارعها، فالبطالة والفراغ من أقوى العوامل المساهمة في الانتحار. هذه أهم الأسباب التي تجعل الشخص يفكر في الانتحار ومعرفة الأسباب تساعد في معرفة العلاج، فذكر الأسباب يشبه تحديد الطبيب للمرض، فيضع في البداية عوامل تقي المريض حتى لا يكون عرضة للمرض، ثم يحدد الدواء المناسب والعلاج النافع، والآن ننتقل إلى العلاج أو الدواء في ظل الشريعة الإسلامية.

معالجة الشريعة الإسلامية للانتحار.

لا شك أن الشريعة الإسلامية وضعت حلولا عدة تجعل المسلم لا يصل إلى مرحلة اليأس أو القنوط أو الوصول إلى هذه المرحلة، من هذه الطرق.

أولاً: الترهيب من قتل النفس. فقد توعدت الشريعة الإسلامية من يقتل نفسه بعذاب شديد منه أن قاتل نفسه في الدنيا يقتل نفسه بنفس الطريقة في النار والعياذ بالله فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ r: مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا(أخرجه مسلم).  وقال تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء:29-30] . فقد وضحت الآية حرمة الانتحار ورحمة الله بنا حيث ثبت حديثا جدوى المواساة والرحمة والتفاؤل والأمل في علاج المقدمين علي الانتحار وبما أن بعض الناس لا يستجيبون لنداء الرحمة ولا بد من تخويفهم من عواقب الانتحار.

ثانياً: ورود نصوص تدل على الاهتمام بحياة الناس.اهتمت الشريعة الإسلامية بحياة الناس قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) [النساء 93]

وإذا كان قتل الغير على هذا الوضع. كان قتل النفس (الانتحار) أشد جرما وأفظع ذنبا لا يصح أن يصدر من مؤمن، ولذا لم ينهنا عنه القرآن صراحة. وفي حديث ابن عمر عن النبي r قال:« مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ »(أخرجه الترمذي، وهو حسن). وعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ r: لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي(متفق عليه). والمراد بالضر هنا: عموم ما يضر الإنسان، سواء كان ضرراً بدنياً أو ضرراً قلبياً، أو ضرراً مالياً، فلا يتمنى الموت، فضلاً عن أن يتعاطاه بأن يحمل على نفسه ويقتلها. والسبب أنه قد يجزع في هذه الدنيا مما يصيبه من الألم، ويعتقد أنه إذا قتل نفسه أراحها من هذا الهم ومن هذا الغم الذي يلاقيه، وأنه لا يجد بعد ذلك شيئاً يؤلمه، وهذا خطأ كبير، وما ذاك إلا أنه ينتقل إلى ما هو أشد من هذا الألم الذي يحس به، ينتقل إلى غضب الله وعذابه، ينتقل إلى العذاب الشديد بدل العذاب السهل الخفيف الذي يمكن تحمله في الدنيا، سواءً كان هما ًأو غماً أو عذاباً بدنياً أو نحو ذلك.فانظر إلى احترام حياة الناس وعدم التهاون بها، فكيف يسهل على المنتحر إنهاء حياته.

ثالثاً : تقوية الوازع الديني.

فقد ذكرت أن من أهم أسباب الانتحار ضعف الوازع الديني، والسبيل إلى علاج ذلك هو تقوية الوازع الديني ، ومن المعلوم أن خطوة الانتحار لا يفعلها إلا ضعيف الإيمان بالقدر.ومن وسائل تقوية الوازع الديني الصبر، الذي يعتبر مفتاحا للفرج، وعلاجا لكل الهموم والغموم، وسبيلا لنيل الثواب العظيم والأجر العميم، قال النبي r: « عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»(أخرجه مسلم).  وتقوية الوازع الديني لا بد أن تتعاون فيه الأسرة والمسجد والمدرسة وأجهزة الإعلام المتعددة، وذلك من خلال ربط الأمة بالكتاب والسنة وبذلك يعظم الوازع الديني لأنه شتان بين من يذكر بكلام الله وكلام رسوله، ومن يذكر ويوعظ بكلام آخر.

ولا بد من تقوية الإيمان بالقضاء والقدر فمن علامات المؤمن كما في الحديث ( وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ )( أخرجه مسلم)، فلا بد من التسليم بإرادة الله في جميع الأحوال والحالات والصبر على البلاء وأن ذلك مكتوب على الانسان في بطن أمه .

رابعاً: الامتناع عن المحرمات الشرعية . كالخمر والزنا والمخدرات وجميع المعاصي التي قد تكون سبباً في بعد الانسان عن الله ومن ثم تتولاه الشياطين مما قد تسبب له نفسه الانتحار.وقد ثبت في السنة أن رجلاً ممن قبلنا خير بين شرب الخمر وقتل النفس والزنا فاختار شرب الخمر، فلما ذهب عقله قتل النفس واقترف الزنا( صحيح أخرجه النسائي).

خامساً: المواظبة على الصلاة. فالصلاة تريح النفس، ويطمأن بها القلب، وتهدأ لها الأركان والجوارح، وتعالج من الـقـلق النفسي، فقـد كان r يقول  لبلال: « يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاَةَ أَرِحْنَا بِهَا »( صحيح أخرجه أبو داود).قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، يَعْنِي: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهَا.ففي الصلاة راحة للبدن وطمأنينة للقلب، تقربه من الله وتبعده عن الشيطان ووسوسته.

سادساً: ترك رفقاء السوء . فلا شك أن الصديق له تأثير على صديقه يتأثر به ويؤثر فيه سلباً وإيجاباً، فينبغي أن يبتعد المسلم عن رفيق السوء الذي قد يزين له الباطل. فعَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّ r، قَالَ : إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ ، وَنَافِخِ الْكِيرِ ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ : إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً ، وَنَافِخُ الْكِيرِ : إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً.(متفق عليه) .

سابعاً: ترك الوحدة والعزلة . وذلك بالجلوس مع الناس والتقرب منهم فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r « الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ »( حسن أخرجه أبو داود).

ثامناً: حل المشكلات الاقتصادية. فينبغي على الدول والمجتمعات أن تتكاتف في حل مشاكل الناس الاقتصادية فقد تعوذ المصطفى r من الجوع عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقُولُ « اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ ».( حسن أخرجه أبو داود).هذه أهم الحلول الشرعية المقتبسة من الهدي النبوي فلو أن المسلم اتخذها نبراسا لحياته لانحلت جميع مشاكله، ولم تبق مشكلة إلا ووجد لها حلاً وعلاجاً في الشريعة الإسلامية.

بقلم د. محمد شحاتة 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

السيسي يشهد فعاليات المنتدى العالمي للتعليم العالي بالعاصمة الإدارية الجديدة

حضر الرئيس عبد الفتاح السيسي، فعاليات النسخة الثانية من المنتدى العالمى للتعليم العالى والبحث العلمى (GFHS)، بعنوان (رؤية المستقبل)، والذى يعقد خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر المقبل، بالعاصمة الإدارية الجديدة.