بقلم؛ هاني ضوة عضو لجنة الحوار:
يعد من السهل قراءة المشهد العالمي بلغة الأرقام وحدها. فبينما تعلن المؤسسات الاقتصادية الدولية عن معدلات نمو تبدو مستقرة نسبيًا، تتصاعد في الخلفية أصوات الحرب، وتزداد خرائط التوتر اشتعالًا.
فنحن أمام عالم يعيش حالة انفصام حقيقية بين واقع إحصائي يبدو مطمئنًا على الورق، وواقع سياسي واقتصادي يزداد اضطرابًا على الأرض.
الحرب الأخيرة لم تكن مجرد حلقة جديدة في سلسلة صراعات ممتدة، بل كشفت بوضوح لا يقبل التأويل هشاشة هذا الاستقرار الذي يتحدث عنه الخبراء. فمع أول تصعيد عسكري، قفزت توقعات أسعار الطاقة، وارتفعت معها نبرة التحذيرات من موجة تضخم جديدة.
وتشير تقديرات صادرة عن مؤسسات دولية، من بينها صندوق النقد الدولي في تحديثاته الأخيرة لعام 2026، إلى أن أي توسع في نطاق الصراع قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والغذاء والإنتاج في مختلف أنحاء العالم.
لكن المشكلة لم تعد في نقص الأرقام، بل في الإفراط في استخدامها لتجميل واقع لا يبدو جميلًا. فصندوق النقد الدولي نفسه يتوقع نموًا عالميًا يقارب 3.3% خلال عام 2026، وهي نسبة قد تبدو إيجابية، لكنها تخفي وراءها اختلالات عميقة، أبرزها الاعتماد المتزايد على قطاعات محددة، وفي مقدمتها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بينما تظل بقية القطاعات عرضة لهزات مفاجئة مع كل توتر جيوسياسي.
التأثير الحقيقي للحرب لا يظهر في التقارير بقدر ما يظهر في حياة الناس اليومية، خاصة في الدول النامية. ففي دول مثل مصر، يترجم أي ارتفاع في أسعار الطاقة بسرعة إلى زيادة مباشرة في أسعار الغذاء والنقل، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على الطبقات الأكثر هشاشة. وقد حذرت تقارير صادرة عن منظمات دولية معنية بالأمن الغذائي من أن اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الأسمدة نتيجة التوترات الجيوسياسية قد يدفعان إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا.
وفي نفس الوقت، يبرز عامل آخر لا يقل تأثيرًا، وهو التحول التكنولوجي المتسارع. فبينما يسهم الذكاء الاصطناعي في دفع النمو الاقتصادي، تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أنه قد يؤثر على نحو 40% من الوظائف عالميًا، وهو ما يعني أن العالم لا يواجه فقط تحديات الحرب والتضخم، بل أيضًا تحولات عميقة في سوق العمل قد تعيد تشكيل مفهوم الاستقرار الاجتماعي ذاته.
هنا تتجلى المفارقة الأكبر، اقتصاد ينمو مدفوعًا بالتكنولوجيا، لكنه يصبح في الوقت نفسه أكثر هشاشة أمام الصدمات، وأكثر قسوة على الفئات الأقل قدرة على التكيف. فالحرب ترفع الأسعار، والتكنولوجيا تعيد توزيع الفرص، وبينهما يقف الإنسان العادي محاصرًا بواقع اقتصادي لا يزداد إلا تعقيدًا.
ولعل أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس تعدد الأزمات، بل تزامنها. فنحن لا نعيش أزمة يمكن احتواؤها، بل حالة من تراكب الأزمات واندماجها، حيث تتداخل التوترات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والتحولات التكنولوجية، بحيث يصبح الحديث عن الاستقرار أقرب إلى وصف لحظة مؤقتة، وليس حالة دائمة.
إن الحرب الأخيرة لم تصنع أزمة جديدة بقدر ما كشفت عن واقع قائم بالفعل، هذا الواقع يتمثل في عالم يسير على حافة توازن هش، يمكن أن يختل في أي لحظة. وبينما تواصل التقارير الدولية تقديم أرقام تبدو مطمئنة، إلا أن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: هل تعكس هذه الأرقام حقيقة ما يعيشه الناس، أم أنها مجرد مؤشرات لا ترى سوى جزء من الصورة؟
ربما لم يعد السؤال الإن إلى أين يتجه العالم؟ بل إلى متى يمكن لهذا التوازن الهش أن يصمد؟ فالعالم لا يقف اليوم على أرض صلبة، بل يسير فوق خيط رفيع بين الاستقرار والانفجار، وكل خطوة جديدة قد تكون كافية لاختلاله.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا