بقلم – د. حمادة شعبان:
المشرف بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف
كثيرًا ما تُقاس نتائج الحروب بعدد الضربات العسكرية وحجم الدمار الذي يلحق بالخصم، لكن كبار المنظرين في السياسة والحرب قدموا تصورات أكثر عمقًا وتعقيدًا لمفهوم النصر. فالحرب في نظرهم ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل أداة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود ميدان القتال.
يرى هنري كيسنجر أن النصر لا يعني بالضرورة تدمير الخصم أو إخضاعه عسكريًا بصورة كاملة، وإنما يتحقق عندما تنجح الدولة في تحقيق أهدافها السياسية، وتحافظ على مصالحها، وتسهم في بناء حالة من الاستقرار الدائم تمنع تجدد الصراع. ومن هذا المنظور، فإن الحرب الناجحة هي التي تفضي إلى تسوية سياسية مستقرة، أو إلى اتفاق سلام يرسخ توازنًا جديدًا للقوى ويحول دون الانزلاق إلى دورة جديدة من العنف والاستنزاف.
أما الجنرال البروسي كارل فون كلاوزفيتز، فقد نظر إلى النصر من زاوية مختلفة، ليست منفصلة تمامًا عن السياسة. فالنصر عنده لا يقتصر على كسب المعارك أو إلحاق الخسائر المادية بالعدو، بل يتمثل أساسًا في كسر إرادة هذا العدو على مواصلة القتال وإجباره على الخضوع لإرادة المنتصر. فالحرب، وسيلة لإرغام الخصم على قبول شروط لا يرغب فيها، ولذلك فإن النصر الحقيقي يتحقق عندما يفقد العدو الثقة بقدرته على المقاومة، ويقتنع بأن استمرار المواجهة لن يغير من النتيجة النهائية.
وعند إسقاط هذين التصورين على الحرب بين إيران والولايات المتحدة، يصعب الحديث عن منتصر بالمعنى الذي طرحه كيسنجر وكلاوزفيتز. فمن ناحية، لم تؤدِ المواجهة إلى اتفاق سلام دائم أو إلى إعادة صياغة مستقرة للعلاقة بين الطرفين بما يحقق مفهوم النصر عند كيسنجر. ومن ناحية أخرى، لم تظهر مؤشرات على أن أحد الطرفين نجح في كسر إرادة الآخر أو فرض شروطه عليه بصورة تجعل الطرف المهزوم يعيد النظر جذريًا في سلوكه أو استراتيجيته، وفقا لمفهوم النصر عند كلاوزفيتز.
لذلك يمكن القول إن هذه الحرب، على الأقل وفق المعطيات المتاحة حتى الآن، لم تُنتج نصرًا حاسمًا لأي من الطرفين. فقد توقفت مؤقتا دون تسوية سياسية نهائية، ودون إخضاع أحد الطرفين لإرادة الآخر. ومن ثم تبدو أقرب إلى مواجهة محدودة حقق فيها كل طرف بعض المكاسب التكتيكية أو الرمزية، بينما ظل الوضع الاستراتيجي العام قريبًا مما كان عليه قبل اندلاعها.
ويبقى الحكم النهائي على نتائج الحروب مرهونًا بآثارها بعيدة المدى، إذ قد تكشف الفترات اللاحقة عن تحولات سياسية أو استراتيجية لم تتضح معالمها بعد. لكن وفقًا لمعياري كيسنجر وكلاوزفيتز، فإن الحديث عن نصر واضح في هذه الحرب يبدو سابقًا لأوانه، والأقرب إلى الواقع أنها انتهت دون غالب أو مغلوب بصورة حاسمة، والله أعلم.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا