بقلم: فاطمة القصاص
حين تهمس الزهور بروح الحضارات رحلة في عالم “الإيكيبانا”بين سكون الغصن ورقة الزهرة، عشنا رحلة استثنائية في أعماق فن “الإيكيبانا”؛ تلك اللحظات من التأمل والإبداع التي لم ترتب الزهور في المزهريات فحسب، بل أعادت ترتيب الروح والسكينة قبل أي شيء آخر. بدعوة كريمة من الدكتورة منى اللبان، حضرتُ ورشة عمل متخصصة في هذا الفن الياباني العريق بمقر المركز الثقافي الياباني، وبحضور رفيع المستوى تشرّف بوجود حرم سفير اليابان بالقاهرة.
منى اللبان.. المتخصصة المصرية بختم “طوكيو”
تنفرد بكونها المتخصصة الوحيدة في مصر الحاصلة على دراسة أكاديمية وشهادة موثقة من قلب اليابان في فن الإيكيبانا. وما يميز “اللبان” هو قدرتها على تقديم هذا الفن بلمسة تمزج بين رقي الشرق الأقصى وعمق الشرق الأدنى، مما جعل ورشتها تجذب اليابانيين المقيمين في مصر أنفسهم، ليتعلموا فلسفة بلادهم برؤية مصرية مبدعة
وبلغة الزهور من جداريات المعابد إلى مزهريات الإيكيبانا خلال الورشة، استحضرت “اللبان” روح الطبيعة، وهنا تجلى الرابط المذهل مع حضارتنا المصرية القديمة.
فالمصري القديم لم يكن مجرد زارع، بل كان فناناً يقدس الطبيعة كأصل للحياة والخير عشق اللوتس والبردي تماماً كما يقدس اليابانيون زهر “الساكورا”، وثّق المصري القديم في جداريات مقابر الدولة الحديثة (مثل مقبرة “نخت”) مشاهد قطف زهور اللوتس وتنسيقها في باقات جنائزية أو احتفالية، معتبراً إياها رمزاً للبعث والشمس وبالحدائق المقدسة كشفت البرديات القديمة أن البيوت والمعابد المصرية كانت تُحاط بحدائق مصممة هندسياً بتناغم يشبه فلسفة الإيكيبانا، حيث كان لكل شجرة وزهرة دلالة روحية، وكان “تنسيق الزهور” مهنة مقدسة يقدمها الكهنة كقربان للآلهة تعبيراً عن الامتنان للخير الوفيروالنماء والعدل التي كانت تجسده ماعت برمز الريشه .
نجد دقة التدوين على جداريات معبد الكرنك، “حديقة النباتات” التي سجل فيها الملك تحتمس الثالث أنواعاً نادرة من الزهور والنباتات، مما يؤكد أن الاهتمام بالطبيعة كان دستوراً للحياة والسياسة والطبيعه والجمال .
هذا يؤكد مفهوم أن لغه الجمال والفن تصنع حضارة بلا حواجز والدليل علي ذلك الحضور المتنوع للأجيال مما أضفى على الورشة بريقاً خاصاً هو تنوع الحضور؛ حيث اجتمعت أعمار متفاوتة من الشباب الشغوف إلى جيل الكبار الباحث عن السكينة، وشملت مجالات مهنية مختلفة وطلبه بمجالات متنوعه واللافت للنظر كان وجود البعض من الجمهور الياباني الذي تفاعل مع شرح الدكتورة منى، مما خلق حالة من الحوار الثقافي الراقي الذي أثبت أن الفن لا يحتاج لترجمة.
فلسفة الصبر وإحياء الهوية بالإيكيبانا أو “فن تنسيق الزهور” يعلمنا أن الجمال يكمن في البساطة والتوازن بين السماء والأرض والإنسان.
نحن اليوم نطلق دعوة من وحي هذه الورشة لإقامة جلسات “بأيدٍ مصرية” وتطبيق النموذج المصري لصناعه البردي ولزراعه الحبوب وإطلاق مبادره تدعو التشجير والزراعه ، نستلهم من أجدادنا حب الأرض والزرع، وتدمج فلسفة “التناغم” اليابانية مع “عنفوان وعبق ” الحضارة المصرية، لتعزيز هويتنا وتراثنا الذي قام في الأصل على “فن الحياة والخير والطبيعه”.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا