كتب: محمد حنفي الطهطاوي
في قلب حي السيدة زينب، حيث تتشبع الأجواء برائحة التاريخ وتمتزج بركة المكان بصدق الوجوه، يقف اسم “الرفاعي” كعلامة فارقة لا تحتاج إلى لافتات صاخبة أو حملات دعاية.
هنا، الاسم يسبق المكان، والسمعة الطيبة تُتداول كإرث شعبي جيلًا بعد جيل، ليس كعنوان للطعام الجيد فحسب، بل كرمز للأمانة التي باتت عملة نادرة.
لم يكن أشرف رفاعي يوماً مجرد صاحب محل كباب، بل هو الحارس الأمين على “صنعة” عتيقة وتاريخ ممتد لسبعة عقود.
من هنا بدأت الحكاية
بدأت الحكاية بـ “عربة صغيرة” وصنايعي بسيط هو والده -رحمه الله- الذي كان يُعرف بـ “كبابجي الطاهرة”.
من تلك العربة، انطلقت رحلة كفاح لم تكن تهدف لجمع المال بقدر ما كانت تهدف لغرس التقوى في كل “لقمة”.
تعلم أشرف من والده أن الرزق لا يُؤخذ بالحيلة، وأن البركة تسكن حيث يوجد الحق، وهي الوصية التي لم تفارقه حتى وهو يحصل على بكالوريوس السياحة والفنادق، ليجمع بين الإدارة الحديثة وروح “الصنعة” الأصيلة.
تتجلى خصوصية “الرفاعي” في فلسفة بسيطة وعميقة في آن واحد؛ فبينما يتفنن البعض في استخدام التوابل لإخفاء عيوب اللحوم، يرفض أشرف استخدام حتى “الفلفل الأسود”.
هنا، السيادة للحم “الضاني” الصافي، المتبل فقط بالملح والبصل والطماطم.
يرى أشرف أن الأكل الصحيح لا يحتاج لما يغطيه، وأن “قطعية” اللحم -وتحديداً من الريشة وبيت الكلوة- هي التي تفرض جودتها، وهو ما يشرف عليه بنفسه بكل دقة.

أقدم صناعية الكباب فى مصر
وعلى أعتاب الشواية، يبرز وجه “عم إبراهيم”، زوج أخت المؤسس وأحد أقدم صنايعية الكباب في مصر.
عم إبراهيم ليس مجرد عامل، بل هو العمود الفقري والبوصلة التي توجّه الصغار والكبار.
بخبرة تجاوزت الخمسين عاماً، يقف عم إبراهيم على كل تفصيلة، من أول السكين حتى نضج اللحم على النار.
يرى أن “الصنعة أهم من السرعة”، وأن سر الاستمرار يكمن في تنظيم العمل كعائلة واحدة، حيث الاحترام المتبادل هو القانون غير المكتوب الذي يجعل الماكينة تعمل بسلاسة مذهلة.
ورغم الإغراءات وفرص التوسع، يظل أشرف متمسكاً بمكانه في السيدة زينب، رافضاً تعدد الفروع التي قد تسرق روح الصنعة.
يؤمن بأن الرزق مرتبط بهذا المكان، وأن “الاسم أمانة” لا يمكن تكرارها في مكان آخر بنفس الروح والصدق.
بالنسبة له، أكبر لحظة فخر لم تكن في زيادة المبيعات، بل في اللحظة التي استطاع فيها الوقوف على قدميه بعد رحيل والده، ليشعر بأنه صان الأمانة وحافظ على حق شقيقاته الأربع واسم عائلته.
تنتهي الحكاية بين دخان الشواء وصوت الزبائن الراضين، لخصها أشرف وعم إبراهيم في عبارة واحدة تختصر سبعين عاماً: “الصنعة رزق، والرزق لا يأتي بالفهلوة.. طالما اللقمة نظيفة، سيستمر الكرم الإلهي”.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا