كتبت ـ شمس طه
حذرت المنظمة العربية لحقوق الإنسان، من التداعيات المتصاعدة للسياسات الإسرائيلية في المنطقة، معتبرة أن استمرار العمليات العسكرية والتوسعات الميدانية الإسرائيلية في عدد من الدول العربية بات يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الأمن الإقليمي والسلم العالمي، في ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض قواعد القانون الدولي أو توفير الحماية اللازمة للمدنيين.
التفاهمات الأمريكية الإيرانية الأخيرة
وأكدت المنظمة، في تقدير موقف صدر اليوم، أن التفاهمات الأمريكية الإيرانية الأخيرة، رغم أهميتها في الحد من احتمالات المواجهة المباشرة بين الطرفين، لا تقدم ضمانات حقيقية للضحايا المدنيين الذين يدفعون ثمن الصراعات المسلحة في المنطقة، كما أنها لا تعالج الأسباب الجذرية لحالة عدم الاستقرار المتفاقمة.
حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف لعبت دورًا رئيسيًا في الدفع نحو المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية
وأشارت المنظمة إلى أن مسؤولين أمريكيين أقروا بأن حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف لعبت دورًا رئيسيًا في الدفع نحو المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وهي المواجهة التي أسفرت عن مقتل ما يقارب 4400 إيراني، غالبيتهم من المدنيين، إلى جانب نحو 120 قتيلًا في العراق، بينهم عشرات المدنيين غير المشاركين في الأعمال القتالية.
وأضافت أن التداعيات الإقليمية للمواجهة امتدت إلى عدد من الدول العربية الخليجية، حيث تسببت الهجمات الإيرانية في مقتل 33 شخصًا وإصابة ما لا يقل عن 170 آخرين، فضلًا عن خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة قدرت بعشرات المليارات من الدولارات في اقتصادات المنطقة، بينما تجاوزت الخسائر العالمية الأولية حاجز 200 مليار دولار.
ورأت المنظمة أن لبنان يمثل النموذج الأوضح لتداعيات التوسع العسكري الإسرائيلي، حيث أسفر العدوان المستمر عن مقتل 4057 شخصًا وإصابة 12121 آخرين وفق أحدث البيانات الرسمية اللبنانية. كما طالت الهجمات البنية الصحية بشكل مباشر، إذ تعرضت 17 منشأة طبية للاعتداء ضمن 175 هجومًا موثقًا، ما أدى إلى استشهاد 135 من العاملين في الإسعاف والطوارئ وإصابة 405 آخرين.
ولفتت المنظمة إلى أن التداعيات الإنسانية لا تقل خطورة عن الخسائر البشرية، مع استمرار تشريد نحو 1.4 مليون لبناني، بالتوازي مع توسيع إسرائيل لسيطرتها على مساحات إضافية من الأراضي اللبنانية تحت ذرائع أمنية، بما يعكس اتجاهاً نحو فرض وقائع جديدة على الأرض تتجاوز متطلبات الأمن إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة.
وفي قطاع غزة، أكدت المنظمة أن إسرائيل تواصل فرض قيود مشددة على دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية لنحو 2.1 مليون فلسطيني، بينهم 1.4 مليون نازح، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة. وأشارت إلى أن الحرب أدت إلى مقتل نحو 73 ألف فلسطيني وإصابة 170 ألفًا آخرين، بينما استمرت الهجمات بعد وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر 2025، ما أسفر عن مقتل 1021 فلسطينيًا وإصابة نحو أربعة آلاف آخرين.
وأضافت أن سلطات الاحتلال تواصل السيطرة على أكثر من 60% من مساحة القطاع، مع وجود خطط معلنة لتوسيع نطاق هذه السيطرة، إلى جانب فرض قيود واسعة على حركة السكان، ومنع الوصول إلى المنازل والأراضي الزراعية، وتعطيل حصول آلاف الجرحى والمرضى على العلاج والرعاية الصحية اللازمة.
وفي الضفة الغربية والقدس المحتلة، رصدت المنظمة تسارعًا في وتيرة التوسع الاستيطاني وإجراءات تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي، عبر بناء مستوطنات جديدة، وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين، وتوسيع الاعتداءات التي تنفذها مجموعات المستوطنين تحت حماية الجيش الإسرائيلي، فضلًا عن اتخاذ إجراءات تمس حقوق الملكية والسكن والتنقل.
كما حذرت المنظمة من استمرار التمدد الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، مشيرة إلى أن القوات الإسرائيلية تجاوزت حدود هضبة الجولان المحتلة وتوغلت داخل المنطقة العازلة ومناطق أخرى في الجنوب السوري، في تحركات اعتبرتها انتهاكًا صريحًا لسيادة الدولة السورية ومؤشرًا على توجهات توسعية تتجاوز الاعتبارات الأمنية المعلنة.
وفي السياق ذاته، اعتبرت المنظمة أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم “صومالي لاند” يمثل تدخلًا مباشرًا في الشؤون الداخلية لجمهورية الصومال وانتهاكًا لمبدأ احترام وحدة أراضي الدول وسيادتها، بما يضيف بعدًا جديدًا للسياسات الإسرائيلية المثيرة للجدل على المستوى الدولي.
وأكدت المنظمة أن القراءة الشاملة للتطورات الجارية تشير إلى أن استمرار الاحتلال وسياسات التوسع العسكري وفرض الأمر الواقع تمثل المحرك الرئيسي لدوائر العنف وعدم الاستقرار في المنطقة، وأن تداعيات هذه السياسات لم تعد تقتصر على حدود الصراع العربي الإسرائيلي، بل باتت تمس الأمن الجماعي الدولي، وسلاسل الإمداد العالمية، وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وشددت على أن استمرار حالة الإفلات من العقاب والتردد الدولي في تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان أسهما بصورة مباشرة في تفاقم الأزمة، محذرة من أن تجاهل الانتهاكات الجسيمة أو التعامل معها باعتبارها أمرًا اعتياديًا يشجع على مزيد من التصعيد ويقوض فرص التوصل إلى سلام عادل ومستدام.
واختتمت المنظمة تقديرها بالتأكيد على أن السنوات الأخيرة شهدت تطورًا مهمًا في مسار المساءلة القانونية الدولية بفضل جهود المؤسسات الحقوقية والآليات القضائية الدولية، إلا أن تلك الجهود ما زالت تواجه عقبات سياسية كبيرة، في مقدمتها الضغوط والعقوبات المفروضة على المؤسسات القضائية الدولية، وعدم التزام بعض القوى الدولية بمبادئ القانون الدولي التي تدعو الآخرين إلى احترامها، الأمر الذي يضعف منظومة الحماية الدولية ويقوض ثقة الضحايا في العدالة الدولية.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا