في الحج: لماذا يطوف المسلمون حول حجر؟

بقلم- نيڤين غرياني واعظة بالأوقاف

الكعبة ليست مجرد حجر ولا طقس وثني وإنما، هي قبلة الأرواح ومركز الأرض الروحي للمسلم، هي إرث الأنبياء بدءاً من آدم إلى محمد صلوات ربي وسلامه عليهم، رمز التوحيد وقبلة القلب والروح، هي محط الرحمات الإلهية ورمز السكينة والطمأنينة.

الطواف حولها يمنح الشعور بالقرب المباشر من الإله الخالق الأعظم، الذهاب إليها يُعطي سلام داخلي وتفريغ للشحنات السلبية والتطهير النفسي فنجد الدعاء والبكاء يعملان كتفريغ انفعالي للطاقات السلبيه حيث يلقيها الإنسان أمام القوة العظمى والطاقة المطلقة الغير متأثرة وإنما مؤثره.

الشعور بالمساواة مع مختلف الطبقات البشرية يُثري الشعور بالثقة بالنفس والثقة بالخالق الذي لا ينظر إلى المظاهر وإنما يُعامل القلوب، التجرد من كل المظاهر الدنيوية يطلق عنان الروح لتنعم بنسيم الحرية والحب.

الحج هو تجديد للأمل والولادة الجديدة مما يمنح الحاج شعور قوي وطاقة نفسية هائلة للتغيير والتصالح مع الذات والرضا بقضاء الله وقدرة، الكعبة هي البوصلة التي تجدد الطاقة الروحية وتمنح التوازن النفسي والتركيز العقلي وتعود بالإنسان إلى فطرته الأولى المجردة من كل المظاهر الدنيوية، ويمكننا توضيح ذلك عن طريق معرفة سيكولوجية الطواف التي تتمثل في النقاط التالية:

• الاندماج في الجماعة: يشعر الفرد بانه جزء منهم ويتلاشى القلق الفردي والأنا فيشعر بالأمان الجماعي.

• الهدوء الذهني:
رغم الازدحام والحركه المستمرة إلا انه هناك حاله من السكون في الحركة تشبه التأمل وتعمل على التركيز الكلي للعقل في اللحظه التي يعيشها مع الذكر الذي يقوله.

• الحركة الدائرية عكس عقارب الساعة:

ربطها العلماء بتناغم الإنسان مع الأنظمة الطبيعية والكونية، فنجد تناغم الإنسان مع:

1- الكون : نجد ان الحركه الدائريه عكس عقارب الساعه هي محاكاة لحركه المجرات والكواكب حول الشمس، وحركة القمر حول الارض تدور عكس عقارب الساعه مما يشعر الانسان بالانتماء للوجود وهذا التناغم يقلل من الصراع الداخلي لدى الفرد ويولد احساس بالسلام مع الكون.

2- الجسد: يدور الدم داخل جسم الإنسان وتلتف البروتينات والأحماض النوويه في مسارات تتفق مع اتجاه الطواف، يكون القلب أقرب للمركز لانه في جهته مما يجعله هو القائد والموجه للحركه كما دلّنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ان القلب هو مركز الإدراك والبصيرة والسمع والفهم، مما يقوي الربط العاطفي والارتباط الروحي والاتصال الوجداني فيتحول الطواف من رحله جسديه إلى رحله قلبيه.

3- – الذات:

في علم النفس التحليلي كما ذكرنا الدوران حول المركز يمثل الذات الحقيقية للفرد فالحركة الدائرية حول مركز ثابت(الكعبه) ترمز إلى محاولة النفس البشرية للالتفاف حول حقيقتها والبقاء في المدار بعدد ثابت (الأشواط السبعة) يعني أن الفرد لم يضل طريقه ويركز على الهدف ويعمل على التوازن الداخلي لأنه يطوف قريب من المركز الذي يمثل له (الإله/ السكينةوالذات)

كما أن الدوران في جماعة يحدث حالة من الاتزان الداخلي وتتحرر النفس من الأنا وتذوب في الجماعه التي تُنشئ طاقة نفسية وجماعية قوية جداً توصف بالنشوة الروحية.
(النشوة الروحية) هي حالة من السلام الداخلي والسمو الأخلاقي والاتصال العميق بالوجود ومصدر الكون والحياة (الله) فيمنح شعور مكثف بالاتصال الروحي بالخالق والشعور بالمعية وقيمه الحياة (مقام الإحسان).

4- الزمن:

تشير عقارب الساعة إلى الوقت المادي المحدد الذي ينفد فيضطرنا إلى التعرض للضغط حتى نواكب سباق الزمن اليومي، فيأتي الطواف عكس عقارب الساعة يُشعر المؤمن بالتحرر لانه خرج من السباق والضغط المادي ودخل في زمن روحي متحرر سرمدي (دائم بلا انقطاع، بلا بداية ولا نهاية، أزلي وأبدي) ، مما يُعزز الشعور بالحريه والسكينه ويعمل على تقليل القلق الزمني والضغط النفسي الناتج عن اللحاق بالزمن، (الروح لا تشيخ ولا تنتهي).

ولعلنا بعد هذا نستطيع الإجابة على السؤال الأهم: لماذا لا يشعر الطائفون والحجاج بالتعب الجسدي رغم الزحام والحرارة والمشقة؟

بالنظر لخطوات الحج ومناسكه وبعد معرفتنا بالدلائل والآثار النفسية للطواف فإننا نجد انفسنا امام علاجاً نفسيا فعالا فيمكننا القول بان الطواف يُحقق” التدفق الذهني“ الذي هو حاله نفسيه من التركيز العالي والأنغماس الكلي في نشاط معين يحدث اندماج كلي للفرد مع ما يفعله فيفقده الإحساس بالزمان والمكان ويعتبرها علماء النفس حاله إبداعيه مميزة تزيد من قدرة النفس الإنتاجية وتجمع بين التحدي الجسدي والمهارة النفسيه فتنشئ سعادةوبهجة تسمو بالروح وتنسيه التعب الجسدي. فينتج عن هذا الصمود الجسدي حالة من الغيب التام عن الدنيا والمشاغل والأشياء المادية وينشغل الإنسان كليًا بذكر الله وحبه وتطهير القلب عما سواه ويسمى هذا الشعور بالاستغراق الروحي.

يُعد الاستغراق الروحي قمة السمو والإيمان والحب الإلهي فهو مقام الإحسان ان تعبد الله كأنك تراه وهي الحاله التي يصل إليها كثير من الساده الصوفية من كثره الذكر والانغماس في الحب فيفنوا عن الخلق وتذوب الروح في مراتب الحب فتبقى مع الباقي، فيتحول الذكر اللساني إلى ذكر قلبي يملأ الوجدان، فعندما تكون السيادة للروح على المادة ترتقي الروح ويتبعها الجسد متناسيا آلامه مهما بلغت المشقة ويستمد قوته من المدد الإلهي لا من الراحة والطعام والشراب.

فبناءً على هذه الحالة والتناغم بين حركه الجسد وكلام القلب يجعل من شعيره الحج تجديد للنفس البشريه وتهذيب الروح فيحن القلب لها ويحزن على انتهاء الشعائر ويشتاق للعوده دائماً وهذا الشعور المؤكد استجابه من الله عز وجل لدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام “واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم “، فالقرب من الكعبة هوى قلبي يعمل كمسكن لكل الألم الجسدي والنفسي.

فشعيرة الحج من أعظم الشعائر الإسلامية في أحب وأعظم الأيام إلى الله في أعظم يوم طلعت فيه الشمس على الدنيا تثبت ان الانسان خُلق من مادة وروح ليتنافسوا ويسمو ويتبعوا بعضهم بعضاً فعندما تكون السيادة للجانب الروحي يسمو خُلق الانسان ويعود لفطرته الأولى فتكون القيادة للروح على حساب الجسد وهو مايفسر الاشتياق الدائم للعودة لبيت الله الحرام مهما بلغت المشقة فاللهم ارزقنا الزيارة ولا تحرمنا من القرب.

اترك تعليقاً