محمد صلاح بين المركز والهامش في تركيا

د. حمادة شعبان

أثار انتقال “محمد صلاح” إلى نادي “طرابزون” التركي موجة اهتمام واسعة من الصحافة والإعلام والجمهور، ربما لم يشهدها انتقال لاعب آخر من نادٍ إلى آخر. ومن أبرز ما نُشر في هذا السياق تقرير ذو طابع علمي وأكاديمي نشرته صحيفة “المصري اليوم” المصرية بعنوان: “صلاح يختار الهامش… نجم في مدينة تحدت احتكار الكبار”.

يتحدث التقرير عن النشأة التاريخية لمجال كرة القدم في تركيا، وتمركزه حول “استانبول” التي تحتضن أكبر ثلاثة أندية في البلاد، والتي هيمنت على المجال رياضيًا وإعلاميًا وجماهيريًا، حتى أصبحت أندية الأناضول، ومن بينها نادي “طرابزون سبور”، تصارع من أجل الحضور والظهور، وهو الحضور الذي لم تكن تحظى به إلا عندما تواجه أحد أندية المركز في “استانبول”.

ويشير التقرير إلى أن “طرابزون سبور”، منذ تأسيسه عام 1967، أدرك طبيعة هذا الصراع، فسعى لأن يكون مشروع مدينة أكثر من كونه مشروع مجلس إدارة. وفي عام 1976 حقق لقب الدوري، ليصبح أول نادٍ يخرج بالدرع من مركزه التقليدي في استانبول إلى الأناضول، في مشهد أطلق عليه الجمهور والإعلام آنذاك “ثورة الأناضول”.

ولم يكن هذا الكلام ليمر مرور الكرام على متخصص في الأدب التركي الحديث؛ فاستانبول كانت بالفعل المركز الثقافي والسياسي والاقتصادي للدولة العثمانية، في حين ظل الأناضول مهمشًا، حتى في الأدب والشعر. فكان الشعراء يهتمون باستانبول ولا يكادون يلتفتون إلى الأناضول.

يقول الناقد التركي “محمد قابلان” في هذا السياق: لقد كان من النادر أن نصادف قبل الجمهورية شعرًا أو نثرًا يحكي عن الأناضول؛ لأن استانبول التي ظلت مركزًا للتجارة والثقافة لعدة قرون حبست داخل أسوارها التي تعج بالسعادة والسفاهة الطبقة العليا وزمرة المثقفين، وشكلت عائقًا في رؤية الوطن كله وحدة كاملة.

بل الأغرب من ذلك أن بعض الشعراء العثمانيين الذين ينتسبون إلى الأناضول، ووُلدوا في قراه، مثل “نابي” و”نفعي”، نسوا تمامًا البيئة التي خرجوا منها، ولم تحضر في أشعارهم إلا نادرًا.

وقد نجد بعض الأبيات في الشعر العثماني تتحدث عن الأناضول، لكنها تظل قليلة للغاية مقارنة بما كُتب عن “استانبول”، ومن أشهرها بيت “يونس أمره” الذي يقول فيه: “الحمد لله تجاوزنا بالصحة والعافية، هذه الجبال المواجهة وهذه الغابات ومزارع البلوط”.

ويفسر “قابلان” هذا البيت بأن الشاعر يشكر الله على تجاوز تباب الأناضول، التي كانت مأوى للصوص وقطاع الطرق.

أما بواكير الأعمال الأدبية التي بدأت تنفتح على الأناضول في العصر الحديث، فقد ظهرت عام 1908 من خلال رواية “كوجوك باشا” للكاتب التركي “أبو بكر حازم تبيران”. وتحكي الرواية قصة ابن مرضعة أناضولية تربى في “استانبول” داخل منزل أحد الباشوات، لكنه اضطر بعد وفاة الباشا إلى العودة إلى قريته في الأناضول. وهناك وجد أن أباه قد تزوج امرأة أخرى غير أمه، وأن أمه تزوجت رجلًا غير أبيه، فعاش الولد مشتتًا في هذا المناخ الأسري والاجتماعي المضطرب.

ثم جاء الكاتب التركي “رفيق خالد قراي”، وكتب مجموعة قصصية بعنوان “أقصوصات الوطن”، تحدث فيها عن القرية وموظفيها ومشايخها وواقع المرأة فيها. ففي قصة “أمينة الساقطة” مثلًا، تناول “قراي” مكانة المرأة في المجتمع، حيث كانت بطلة القصة، وهي امرأة فقيرة ساقطة، قد نُفيت إلى إحدى المقاطعات التي تبعد عن أنقرة مسيرة يومين، بحجة إصلاح حالها. وهناك تُركت في زاوية منسية، تحت وطأة الظلم والاضطهاد والاحتقار، حتى ماتت من البرد والجوع.

وهكذا كان الأناضول في الأدب التركي: مأوى للصوص وقطاع الطرق حينًا، وبيئة غير صحية للأبناء حينًا آخر، ومنفى للمذنبين في أحيان أخرى. حتى جاء الشاعر “محمد أمين يورده قول”، فأطلق صرخة قوية في أثناء حرب البلقان من خلال منظومته “صوت من الأناضول”، تحدث فيها، للمرة الأولى، على لسان جندي تركي من قرى الأناضول، يصرخ بأعلى صوته قائلًا: “أنا تركي، ديني عظيم وجنسي كذلك”.

وكانت هذه المنظومة سببًا في أن ينال هذا الشاعر لقب “الشاعر القومي للترك”، وأن يصبح الحديث عن الأناضول وقضاياه سمة من أهم سمات الأدب القومي التركي. ولم يكتف محمد أمين يورده قول بالحديث عن الأناضول، وإنما عبّر كذلك عن تهميش المركز، استانبول، للأناضول وقراه، فقال في إحدى منظوماته، على لسان سيدة أناضولية: آه يا سيدي، استانبول ضدنا، لم هي قاسية هكذا، كحجر أملس؟ أمن نصيب الأرياف الحياة الحيوانية؟

ثم جاء الشاعر “رضا توفيق” فمجّد الأناضول وشعبه، وقال في إحدى قصائده: من هنا أتى المجاهدون جميعًا وعبروا، ومن هذه الجداول توضؤوا وشربوا، وهاجروا وللممالك فتحوا، فهذه الأوطان هي محطة الصالحين.

وفي عصر الجمهورية، ازداد اهتمام الأدباء بالأناضول، وبدأ النظر إلى الوطن بوصفه وحدة واحدة، لا مركزًا يهيمن على هامش. فنظم “كمال الدين قامو” و”عمر بدر الدين” أشعارًا تحكي عن الأناضول وشعبه في السنوات الأولى من عصر الجمهورية. وكشف “أحمد حمدي طانبينار”، في كتابه “المدن الخمس”، عن جمال طبيعة مدن الأناضول وتاريخها، وخصص “أحمد قدسي تجر” مساحة كبيرة من شعره للفلكلور الأناضولي، بينما تحدث “نجيب فاضل” عن الأناضول الصوفية. وحكى “أحمد محب ديرانص”، عن جمال طبيعة الأناضول الساحرة، كما اهتم “أورخان ولي” في شعره بالأناضول وشعبه.

أما أجمل وأعمق ما كُتب عن الأناضول، وفقًا لـ “محمد قابلان”، فقد دبجه كل من “جاهد كلبي” و”نجاتي جمعه لي”، كما تحدث الشاعر “زكي عمر دفنه” في أشعاره عن جماليات الأناضول الرقيقة.
وبعد عام 1950، بدأ بعض الشعراء ينظرون إلى حياة أهل الأناضول من زاوية ماركسية، وكان “ناظم حكمت” من أبرز من مثّل هذا الاتجاه، بعدما ذهب إلى “موسكو” في سنوات حرب الاستقلال.

وهنا ربما يتجاوز انتقال “محمد صلاح” إلى “طرابزون” مجرد كونه صفقة رياضية أو حدثًا كرويًا؛ فاختيار لاعب بحجم صلاح لمدينة من مدن الأناضول يضعه، من حيث لا يدري، في قلب تاريخ طويل من العلاقة بين “المركز” و”الهامش” في تركيا.

فطرابزون التي كسرت احتكار استانبول لكرة القدم قبل خمسين عامًا، كانت في جانب آخر من تاريخها الثقافي جزءًا من أناضول ظل طويلًا يبحث عن صوته وحضوره في الأدب والثقافة والسياسة والرياضة.
ولذلك فإن احتفاء الأتراك بمحمد صلاح في طرابزون لا يمكن قراءته فقط باعتباره احتفاءً بنجم عالمي، وإنما يمكن النظر إليه أيضًا بوصفه احتفاءً بمدينة أناضولية استطاعت أن تستقطب إلى فضائها واحدًا من أشهر لاعبي العالم، وكأن “الهامش” الذي طالما سعى إلى انتزاع حقه في الحضور، أصبح هذه المرة هو المكان الذي يقصده “النجم” من المركز.

وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل: أن كرة القدم التي كانت يومًا من أكثر المجالات التي كرّست مركزية استانبول، أصبحت اليوم وسيلة تمنح إحدى مدن الأناضول مساحة استثنائية من الضوء والاهتمام.
إن “محمد صلاح”، لا ينتقل فقط إلى طرابزون؛ وإنما ينتقل، رمزيًا، من المركز إلى الهامش، ليمنح هذا الهامش لحظة نادرة يكون فيها هو المركز.

اترك تعليقاً