كتبت ـ شمس طه
نفذت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة تدريب «مسارات الحماية» على مدار يومين، ضمن برنامج «من الرصد إلى الميدان»، الذي يستهدف تحويل نتائج الرصد والتحليل الحقوقي إلى تدخلات عملية تستجيب للاحتياجات الفعلية للنساء، وتساعد على فهم الفجوات بين ما تكشفه البيانات وما تواجهه النساء في حياتهن اليومية.
ويستند التدخل إلى تقرير المؤسسة عن رصد وتحليل وقائع العنف ضد النساء في مصر خلال الربع الثالث من عام 2026، والذي وثّق 154 واقعة خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر، وشملت الوقائع 59 واقعة اعتداء، و57 واقعة تحرش، و38 واقعة قتل. وتُعبّر هذه الأرقام عن الوقائع التي رصدتها المؤسسة وفق منهجيتها ومصادرها، ولا تمثل مسحًا وطنيًا شاملًا أو تقديرًا لمعدل انتشار العنف بين النساء في مصر.
ولا تتوقف أهمية التقرير عند حجم الوقائع التي وثّقها أو الأنماط التي كشف عنها، بل تمتد إلى إمكانية استخدام نتائجه في تحديد أولويات التدخل، وطرح أسئلة أكثر اتصالًا بالواقع، وفهم الظروف التي تجعل بعض النساء أكثر عرضة للعنف أو أقل قدرة على الوصول إلى الحماية والخدمات المتاحة.
التقرير ليس نهاية عملية الرصد
اختارت المؤسسة أن يكون تدريب «مسارات الحماية» خطوة تنفيذية في برنامج «من الرصد إلى الميدان»، بدلًا من التعامل مع التقرير بوصفه منتجًا معرفيًا مستقلًا ينتهي دوره عند النشر، ويقوم البرنامج على ربط مراحل الرصد والتوثيق والتحليل بتحديد الأولويات، ثم تنفيذ أنشطة ميدانية وتوثيق الخبرات الناتجة عنها، وإعادة توظيفها في تطوير التدخلات اللاحقة.
وشهد التدريب مشاركة مجموعة من السيدات برفقة أطفالهن، في إطار عمل يتيح الاستماع إلى الخبرات المباشرة ومناقشة التحديات المرتبطة بالعنف والحماية. واستهدف التدريب الربط بين الأنماط التي تظهر في الوقائع الموثقة والتجارب التي تعيشها النساء، بما يساعد على تحديد الاحتياجات التي قد لا تكشفها الأرقام وحدها، وفهم العوائق التي قد تواجه النساء عند محاولة طلب المساعدة أو الوصول إلى مسارات الحماية.
وتقوم الفكرة الأساسية للبرنامج على أن البيانات لا تصبح ذات قيمة عملية بمجرد جمعها وتحليلها، وإنما عندما تساعد في طرح الأسئلة الصحيحة، وتحديد الأولويات، وتصميم تدخلات تستند إلى الواقع. وفي المقابل، لا تُعامل الخبرات الميدانية باعتبارها انطباعات منفصلة عن المعرفة الحقوقية، بل باعتبارها مصدرًا إضافيًا لفهم المشكلة ومراجعة الاستنتاجات وتطوير الاستجابات.
رضوى الخولي: نريد أن تتحول نتائج الرصد إلى استجابات عملية
وقالت رضوى الخولي، المدير التنفيذي لمؤسسة ملاذ لدعم المرأة، إن برنامج «من الرصد إلى الميدان» يعكس توجه المؤسسة نحو بناء علاقة مباشرة بين توثيق وقائع العنف وتحليلها من جهة، وتطوير التدخلات المرتبطة باحتياجات النساء من جهة أخرى.
وأضافت أن التقارير الحقوقية لا ينبغي أن تتوقف عند تسجيل الوقائع وتصنيفها، بل يجب أن تسهم في تحديد أولويات العمل وفهم التحديات التي تواجه النساء على أرض الواقع، موضحة أن الاستماع إلى النساء ومقارنة خبراتهن بنتائج الرصد يتيحان تطوير تدخلات أكثر ارتباطًا بالاحتياجات الفعلية.
وأكدت الخولي أهمية تكامل الأدوار بين مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في دعم الحماية الاجتماعية، وتعزيز الوعي بالحقوق، والوقاية من العنف، وتطوير الاستجابات المجتمعية. وأشارت إلى أن الاستفادة من نتائج الرصد في العمل الميداني، ثم إعادة توظيف الخبرات الناتجة عنه في تطوير البرامج، تمثل خطوة ضرورية نحو رفع فاعلية التدخلات وتعزيز استجابتها للواقع.
من توثيق الوقائع إلى تطوير مسارات الحماية
يمثل إطلاق «مسارات الحماية» توجهًا نحو تجاوز الفصل التقليدي بين إنتاج التقارير وتنفيذ الأنشطة الميدانية. فبدلًا من أن يعمل كل مسار بمعزل عن الآخر، تسعى المؤسسة إلى بناء دورة متصلة تبدأ بتوثيق الوقائع، ثم تحليلها وتحديد الأولويات، وصولًا إلى التدخل الميداني وتوثيق نتائجه، بما يسمح بمراجعة أدوات العمل وتطويرها بصورة مستمرة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في التعامل مع قضايا العنف ضد النساء، حيث لا تقتصر التحديات على وقوع العنف نفسه، بل تشمل أيضًا الظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة به، ومدى معرفة النساء بحقوقهن، وقدرتهن على الوصول إلى المعلومات والخدمات ومسارات الحماية المناسبة.
ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الهدف على رفع الوعي العام، وإنما يمتد إلى فهم الفجوات التي تظهر عند الانتقال من معرفة الحقوق إلى القدرة على ممارستها، ومن توثيق الانتهاكات إلى تحديد الاستجابات الممكنة للتعامل معها.
وتؤكد المؤسسة أن نتائج التدريب والخبرات التي ظهرت خلاله تمثل جزءًا من عملية التعلم والتطوير، وليست نهاية المسار؛ إذ يستهدف البرنامج الاستفادة من المعطيات الميدانية في تحسين الأنشطة اللاحقة، وتعزيز الصلة بين التحليل الحقوقي واحتياجات النساء.
المجتمع المدني والعمل القائم على الأدلة
تأتي المبادرة في سياق تتزايد فيه أهمية تطوير أدوات العمل الأهلي بحيث تجمع بين المعرفة الموثقة والتدخل العملي. ويمكن لمؤسسات المجتمع المدني أن تسهم في دعم الجهود الوطنية لحماية المرأة من خلال رصد التحديات، وتطوير الوعي بالحقوق، والاستماع إلى الفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات، وتقديم معرفة ميدانية تساعد على فهم الاحتياجات بصورة أكثر دقة.
ولا يعني هذا الدور أن تحل المبادرات الأهلية محل مسؤوليات المؤسسات العامة، بل أن تعمل في إطار تكامل الأدوار، بما يدعم الوقاية والحماية، ويساعد على تحديد الثغرات التي تحتاج إلى معالجة، ويعزز فرص تطوير استجابات أكثر ارتباطًا بالواقع.
ومن خلال برنامج «من الرصد إلى الميدان»، تسعى مؤسسة ملاذ لدعم المرأة إلى ترسيخ منهجية تجعل الرصد مدخلًا للعمل، والعمل الميداني مصدرًا جديدًا للمعرفة، بحيث تتطور التدخلات استنادًا إلى الأدلة والخبرات، لا إلى افتراضات عامة أو أنشطة منفصلة عن احتياجات النساء.
وتلخص المؤسسة فلسفة البرنامج في مبدأ واضح: ما نرصده لا يبقى على الورق، وما يكشفه الميدان يعود ليطوّر ما نرصده.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا