طاهر إيفادوللايف
باحث علمي في مركز الإمام البخاري الدولي للبحوث العلمية (سمرقند, أوزبكستان)
لا يكاد يوجد اليوم مسلم في العالم لا يعرف اسم الإمام البخاري؛ فقد ظلَّ كتابه “الجامع الصحيح” على مدى أكثر من اثني عشر قرنًا المرجعَ الأوثق في علم الحديث، وحظي بمكانةٍ رفيعةٍ لدى علماء الإسلام في مختلف العصور، ومع ذلك، ورغم الشهرة الواسعة التي يحظى بها اسم الإمام البخاري، فإن كثيرين لا يعرفون الأرض التي أنجبته، ولا البيئة العلمية التي صاغت شخصيته، ولا الجهود التي تبذلها أوزبكستان اليوم لإحياء هذا الإرث الحضاري العظيم، ومن هنا يبرز مجمع الإمام البخاري القائم بالقرب من مدينة سمرقند بوصفه مشروعًا حضاريًا وروحيًا كبيرًا يجمع بين أصالة التاريخ، ورؤية الحاضر، ويجسد وفاء أوزبكستان لإرث أحد أعظم أعلام الحضارة الإسلامية.
ارتبط تاريخ الحضارة الإسلامية ارتباطًا وثيقًا بأسماء علماء كبار أسهموا إسهامًا عظيمًا في الارتقاء بالحياة الروحية والفكرية للإنسانية، ويُعدُّ الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري واحدًا من أبرز هؤلاء الأعلام؛ فهو إمام المُحَدِّثين، وصاحب الكتاب الذي حظي بمكانةٍ فريدة بعد القرآن الكريم، وهو “الجامع الصحيح”، ولم يَبْقَ تراثه العلمي حكرًا على شعبٍ، أو إقليم، بل غدا إرثًا حضاريًا مشتركًا للأمة الإسلامية بأسرها، وأصبح “الجامع الصحيح” كتاب الأمة، ومرجعها الأوثق في السنة النبوية، ولذلك ما إن يُذكر اسم الإمام البخاري حتى تستحضر القلوب معاني توقير العلم، والوفاء للسنة النبوية، والتطلع إلى السمو الروحي، والأخلاقي.
واليوم تمضي أوزبكستان بخطى واثقة في صون هذا الإرث الحضاري الثمين، والتعريف به على نطاقٍ أوسع أمام العالم؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق مشاريع، وإصلاحات واسعة تهدف إلى إحياء سيرة كبار العلماء، والعناية بمراقدهم، ودراسة تراثهم العلمي، ونقله إلى الأجيال القادمة، حتى أصبح الحفاظ على هذا الموروث جزءًا أصيلًا من السياسة الثقافية للدولة، ولا يعكس هذا التوجه وفاءً لتاريخ الأمة فحسب، بل يجسد أيضًا حرص أوزبكستان على إبراز إسهامها الحضاري في مسيرة الحضارة الإسلامية، وتعزيز حضوره على الساحة الدولية.
ويأتي مجمع الإمام البخاري الذي شُيّد حديثًا في مدينة سمرقند نموذجًا حيًا لهذه الرؤية الحضارية الطموحة؛ فقد افتُتح هذا الصرح الشامخ بمبادرة من فخامة رئيس جمهورية أوزبكستان شوكت ميرضيائيف في أول أيام عيد الفطر المبارك من هذا العام، وسرعان ما أصبح محط أنظار العالم الإسلامي بما يحمله من رسالة علمية، وروحية، وحضارية، ولم يعد المجمع مجرد مزار يضم مرقد الإمام البخاري، بل تحول إلى منارة جديدة يلتقي فيها العلم، والمعرفة، وروعة العمارة مع روح العصر ليغدو فضاءً حضاريًا يجسد عراقة التاريخ، وآفاق المستقبل.
ولم تكن أرض أوزبكستان مهدًا للإمام البخاري وحده، بل أنجبت أيضًا كوكبة من كبار علماء الإسلام الذين تركوا بصمات خالدة في مسيرة الحضارة الإنسانية من بينهم الإمام الترمذي، والإمام الماتريدي، وأبو المعين النسفي، وبرهان الدين المرغيناني، والزمخشري، إلى جانب مئات العلماء الآخرين الذين أسهموا في إثراء الفكر الإسلامي، والعلوم الإنسانية، وقد ظل تراثهم العلمي على مدى قرون ركيزة أساسية في تشكيل الفكر الإسلامي، وإثراء المدارس العلمية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
ومن هذا المنطلق تواصل أوزبكستان الجديدة جهودها لإحياء هذا الإرث الحضاري من خلال دراسة المخطوطات النادرة لعلمائها الكبار، وتحقيقها، وترجمتها، وترميم معالمهم التاريخية، وتنظيم المؤتمرات، والملتقيات العلمية الدولية المستندة إلى تراثهم الفكري، والروحي، وبهذه المبادرات تؤكد أوزبكستان مكانتها بوصفها إحدى الحواضن التاريخية للحضارة الإسلامية، وتُبرز إسهامها المتجدد في خدمة التراث الإسلامي، وتعزيز حضوره على الساحة العالمية.
وتكمن أهمية هذه الجهود في أنها لا تقتصر على الإطار الوطني فحسب، بل تتجاوز حدوده لتخدم تراثًا علميًا، وروحيًا يُعد ملكًا مشتركًا للأمة الإسلامية بأسرها.
ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء مجمع الإمام البخاري لا يمثل حدثًا بارزًا في الحياة الثقافية لأوزبكستان وحدها، بل يُعد مبادرةً ذات أبعاد حضارية وإنسانية تسهم في صون تراث الحضارة الإسلامية، ونقله إلى الأجيال القادمة بما يعزز الوعي بقيمته، ويصون استمراريته.
وفي عالم يشهد تسارعًا غير مسبوق بفعل العولمة تظل القيم الروحية المشتركة من أقوى الروابط التي تجمع بين الشعوب، وتُرسخ جسور التفاهم بينها. ويُجسد التراث العلمي للإمام البخاري نموذجًا حيًا لهذه القيم الإنسانية الخالدة؛ إذ تجاوز أثره حدود الزمان والمكان ليصبح مصدر إلهام للمسلمين في مختلف أنحاء العالم.
ولهذا، فإن المجمعات العلمية والثقافية التي تُقام تخليدًا لذكرى هؤلاء الأعلام لا تؤدي دور المزارات الدينية فحسب، بل تغدو أيضًا مراكز للإشعاع العلمي، والحوار الحضاري، ومنابر لتعزيز التفاهم، والتقارب بين الثقافات، والحضارات.
وقد جرى تصميم المجمع وفق رؤية معمارية متكاملة تمزج بانسجام بين تقاليد العمارة الإسلامية العريقة، والحلول الهندسية الحديثة بحيث يكتسب كل عنصر فيه بعدًا روحيًا، وجماليًا خاصًا.
وما إن يقترب الزائر أو السائح من المجمع حتى تتراءى له هيبته من خلال اتساع مساحته، وروعة تخطيطه، والتناغم الدقيق في توزيع مبانيه إضافة إلى الواجهات المزدانة بالآيات القرآنية، والزخارف الوطنية التي تعكس عمق الهوية الثقافية، وهنا لا تقتصر العمارة على بعدها الجمالي فحسب، بل تتحول إلى وسيلة لخلق أجواء روحانية مفعمة بالسكينة، والخشوع حيث تنطق الألوان المتناسقة، وأشكال القباب، وفن الزخرفة بروح الفن الإسلامي الأصيل.
ويتميز المسجد المركزي داخل المجمع باتساعه الفريد، وكماله المعماري؛ إذ يتسع في آنٍ واحد لما يقارب عشرة آلاف مصلٍ، وتبرز في تصميمه الداخلي أرقى نماذج الفن الإسلامي الدقيق كما تضفي عليه قبابه الأربع عشرة، ومآذنه الأربع التي يبلغ ارتفاع كل منها خمسة وسبعين مترًا مزيدًا من العظمة، والجلال ليغدو تحفة معمارية تجمع بين الجمال، والروحانية، والهيبة.
وقد جرى تنظيم ضريح الإمام البخاري داخل المجمع في موقعٍ مستقل يوفِّر للزوار سهولة الوصول، والراحة حيث تُتلى فيه آيات من القرآن الكريم بصورةٍ دائمة في أجواء يملؤها الخشوع، والسكينة.
أما المتحف الابتكاري داخل المجمع فيُعدُّ أحد أهم المكونات العلمية، والتثقيفية فيه؛ إذ يعرض سيرة الإمام البخاري، وتراثه العلمي، ونماذج من المخطوطات الأصلية، إضافة إلى عرض تسعة من أشهر كتب الحديث الصحيحة المعتمدة، كما تؤدي المكتبة دورًا محوريًا كمركز علمي يخدم الباحثين، وطلاب العلم، ما يجعل المجمع ليس مجرد مزار ديني، بل فضاءً متكاملًا للتعلم، والبحث العلمي.
وقد تم تزويد المجمع بعناصر علمية، وبُنى تحتية حديثة تجعله مواكبًا لمتطلبات القرن الحادي والعشرين، حيث تتيح تقنيات المعلومات، والفهارس الرقمية، ووسائل العرض المتعددة الوسائط للزوار فرصة أعمق للتعرُّف على تراث هذا الإمام الجليل.
لقد ظلَّ تراث الإمام البخاري عبر القرون مؤثرًا ليس فقط في تطور العلوم الإسلامية، بل في تشكيل الوعي الروحي والفكري للإنسانية جمعاء، حتى غدا اسمه رمزًا للعلم، والأمانة، والثقة.
ومن هنا، فإن أي مبادرة علمية أو معمارية تحمل اسمه تظل تحظى باهتمام واسع في العالم الإسلامي، لما يمثله من قيمة علمية، وروحية استثنائية.
ومن خلال هذا المجمع ينتقل تراث الإمام البخاري إلى مرحلة جديدة، حيث لم يعد مجرد علمٍ محفوظ في صفحات الكتب، بل أصبح تجربة حيَّة تُعاش في رحاب الزيارة، ومجالًا للتأمل، والبحث العلمي، والتجربة الروحية. ومن شأن هذا التحول أن يوسع دائرة تأثيره، ويعزز مكانته في فضاء الحضارة الإسلامية العالمية.
وفي الوقت نفسه يبرز هذا المجمع بوصفه أحد المراكز الجديدة والسريعة النمو في مجال السياحة الدينية في أوزبكستان، حيث يستقبل يوميًا آلاف الزوار من داخل البلاد وخارجها الذين لا يكتفون بالاطلاع على المعالم التاريخية، بل يجدون فيه أيضًا فرصة للتأمل الروحي، والتزكية النفسية.
ومن منظور تعزيز الروابط الثقافية والروحية بين الدول الإسلامية، تؤدي مثل هذه المجمعات دور “الجسر الحضاري” الذي يربط بين الشعوب المختلفة حول منظومة من القيم الروحية المشتركة، ويعزز من جسور التفاهم، والتقارب بينها.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن هذا المجمع لم يعد مجرد معلم داخل حدود أوزبكستان، بل أصبح نقطةً جديدة مضيئة في الخريطة الروحية للعالم الإسلامي بأسره بما يحمله من رمزية علمية وروحية تتجاوز المكان، والزمان.
في السنوات الأخيرة، يشهد قطاع السياحة الدينية في أوزبكستان تطورًا متسارعًا، حيث أصبح أحد التوجهات الاستراتيجية المهمة للدولة.
ولا يقتصر هذا المسار على تحقيق عوائد اقتصادية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليؤدي دورًا محوريًا في تعزيز الحوار الروحي، والتواصل الثقافي، إضافة إلى كونه أداة فاعلة في مجال الدبلوماسية الثقافية.
وفي هذا السياق، برزت المدن التاريخية المرتبطة بالحضارة الإسلامية مثل طشقند، وسمرقند، وبخارى، وترمذ، وخيوة، كمراكز رئيسية تستقطب اهتمام العالم الإسلامي وزواره من مختلف البلدان.
ويرتبط تطوير هذا القطاع بمجموعة من الإصلاحات الهادفة إلى تحسين البنية التحتية، ورفع جودة الخدمات، وترميم المعالم التاريخية بما يتماشى مع المعايير الحديثة، مع الحفاظ على قيمتها الأصيلة. ويُعد مجمع الإمام البخاري مثالًا بارزًا على هذا التوجه؛ إذ يتيح للزائرين تجربة متكاملة تجمع بين الزيارة الروحية، والعبادة، والتأمل العلمي، والاستمتاع بالجمال المعماري، وهو ما يميِّزه عن العديد من المواقع الدينية الأخرى.
وفي الوقت نفسه، يؤدي هذا المجمع دورًا مهمًا في تشكيل صورة أوزبكستان على الساحة الدولية، حيث لم تعد البلاد تُقدَّم بوصفها دولة تاريخية في آسيا الوسطى فحسب، بل باعتبارها أيضًا أحد المراكز البارزة للحضارة الإسلامية.
ويسهم هذا التحول في توسيع الصورة الذهنية عن أوزبكستان في الفضاء الإعلامي العالمي، وتعزيز مكانتها ونفوذها الثقافي على المستوى الدولي.
وقد حظيت التطورات المتعلقة بإحياء التراث الإسلامي في أوزبكستان باهتمامٍ واسع في وسائل الإعلام العربية التي سلطت الضوء على الجهود المبذولة لإعادة الاعتبار إلى تراث العلماء الكبار، وإحياء ذكراهم، وإنشاء مراكز جديدة للزيارة والمعرفة ذات الصلة بالحضارة الإسلامية.
وفي سياق الحديث عن العمارة والتاريخ يمكن الإشارة إلى أن بعض المعالم الأثرية لا تعكس فقط مستوى التطور الثقافي في زمن بنائها، بل تجسد أيضًا الرؤى الروحية والجمالية لحضارة كاملة. ورغم اختلاف السياقَيْن: التاريخي، والروحي، فإن مجمع الإمام البخاري وقصر تاج محل يمثلان نموذجين مختلفين، إلا أن كليهما يحمل دلالات رمزية خاصة في الذاكرة الثقافية للإنسانية، ويعكس جانبًا من تنوع التعبير الحضاري عبر العصور.
ويُنظر إلى تاج محل باعتباره تجسيدًا حجريًا لمشاعر الحب، والوفاء، والعواطف الإنسانية العميقة، حيث خُلِّدت فيه أدق الأحاسيس القلبية من خلال روعة العمارة، ليُعدّ واحدًا من أرقى نماذج العمارة الشرقية، وأكثرها شهرة على الإطلاق.
أما مجمع الإمام البخاري، فيجسد توجهًا روحيًا ومعرفيًا مختلفًا؛ إذ لا يعبِّر بالدرجة الأولى عن رمزية الحب، بل عن العلم ، والحديث النبوي، والمعرفة، والتراث الفكري للحضارة الإسلامية. وتتمحور فكرته الأساسية حول تمجيد العلم والمعرفة بوصفهما طريقًا لسمو الإنسان، وارتقائه الروحي، والأخلاقي.
ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى هذين المعلمين بوصفهما طرفين متقابلين، أو في حالة تناقض، بل كظاهرتين حضاريتين مستقلتين تعبِّران عن قيم ثقافية مختلفة داخل مسار الإنسانية؛ فإذا كان تاج محل رمزًا خالدًا للعاطفة الإنسانية، فإن مجمع الإمام البخاري يمثل تجسيدًا للبحث العقلي والروحي في آنٍ واحد. وهكذا لا تقوم المقارنة على التنافس، بل تكشف عن تنوع التجربة الحضارية وغنى التعبير الإنساني عبر العصور.
وفي ظل العولمة المعاصرة، لم يعد النفوذ الدولي للدول يُقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية، أو السياسية، بل بات يرتبط أيضًا بمدى عنايتها بالتراث الروحي، وقدرتها على تقديمه للعالم بصورة معاصرة، ومؤثرة. وفي هذا الإطار، يساهم هذا المجمع في تعزيز الصورة الدولية لأوزبكستان، وترسيخ حضورها على الساحة العالمية.
وتسعى البلاد اليوم إلى تقديم نفسها ليس فقط بوصفها موطنًا للمعالم التاريخية، بل أيضًا كإحدى المراكز المهمة للعلوم، والمعرفة في الحضارة الإسلامية، وهو ما ينعكس إيجابًا على قوتها الناعمة، ويوسِّع من نطاق تأثيرها الثقافي، والدبلوماسي.
وخلاصة القول، يمثل هذا المجمع جسرًا روحيًا يربط بين الماضي، والمستقبل، وتجسيدًا للتكامل بين العلم، والإيمان، ومنصةً للحوار الثقافي بين الشعوب، كما يُعد رمزًا من رموز أوزبكستان الحضارية والمعنوية في العالم المعاصر.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا