الإصلاح والتنمية يصدر مذكرة موقف بشأن مشروع قانون إعادة تنظيم “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”

 

كتبت ـ شمس طه

أصدرت الهيئة العليا لحزب الإصلاح والتنمية مذكرة موقف تفصيلية استعرضت فيها الرؤية الاقتصادية والتشريعية للحزب بشأن مشروع القانون المطروح حالياً والمتعلق بإعادة تنظيم “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”.

وأكد الحزب في مستهل مذكرته أن مشروع القانون لا يقتصر على مجرد تنظيم جهاز تنفيذي قائم، بل إنه يؤسس لـ “منظومة اقتصادية متكاملة” تمنح الكيان الجديد سلطات واسعة النطاق؛ تشمل إدارة أصول الدولة وأراضيها وتخصيصها، وإصدار التراخيص والموافقات، ووضع الحوافز والرسوم، فضلاً عن تشغيل المرافق، والتفتيش، وتوقيع الجزاءات. وتنفذ هذه الصلاحيات عبر شبكة ممتدة من الشركات والصناديق التابعة، ومنها صندوق الثروة السيادي والصندوق الخدمي.

أولاً: تثمين الدور الاستراتيجي وإشادة بالرقابة البرلمانية

أوضح الحزب أنه لا يغفل الأهمية الاستراتيجية لتسوية الوضع القانوني للجهاز، مثمناً دوره الحيوي في ملفات الأمن الغذائي، واستصلاح الأراضي، والتصنيع الزراعي، والطاقة، والبنية الأساسية.

وفي هذا السياق، أعرب الحزب عن تقديره للتعديلات الجوهرية التي أدخلتها اللجنة المشتركة بمشاركة فاعلة من الهيئة البرلمانية للحزب، والتي ساهمت في تعزيز الشفافية وحماية المال العام، وتمثلت في:

• تعزيز الرقابة البرلمانية: إخضاع قرارات إنشاء مناطق التنمية المستدامة أو إلحاق مناطق جديدة بها لرقابة مجلس النواب.

• الشفافية المالية: إلزام الجهاز بإعداد قوائم مالية مستقلة ومجمعة، ورفع تقرير سنوي إلى المجلس.

• تفعيل الرقابة الحسابية: إطلاق رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات على أعمال الجهاز.

• حماية الخزانة العامة: حذف النص الخاص بتحمل الخزانة العامة الدائم للضرائب والرسوم المستحقة على الجهاز.

ثانياً: تحفظات جوهرية ومآخذ هيكلية تمس بيئة الاستثمار

رغم أهمية التعديلات المذكورة، شدد الحزب على أنها لم تعالج جوهر الإشكال الهيكلي في مشروع القانون، والذي يكمن في تركيز سلطات الملكية، والتنظيم، والتنفيذ، والرقابة داخل منظومة واحدة. وفصّل الحزب مآخذه في النقاط التالية:

1. غياب الحياد التنافسي وتعارض المصالح: إن قيام الجهاز بمنح الأراضي والتراخيص والحوافز والتفتيش على المستثمرين وتوقيع الجزاءات، وفي الوقت ذاته امتلاك شركات وصناديق تنافس في القطاعات والمناطق ذاتها، يمس مبدأ “الحياد التنافسي” بشكل مباشر. واعتبر الحزب أنه لا يمكن تحقيق منافسة عادلة عندما يكون واضع قواعد السوق خصماً وحكماً في آن واحد.

2. الامتيازات الضمنية ومزاحمة القطاع الخاص: حتى مع فرضية حسن الإدارة، ستتمتع الشركات التابعة للجهاز بمزايا تفضيلية طبيعية وضمنية “في الوصول للأراضي، التمويل، المرافق، والمعلومات”، إلى جانب قدرتها الاستثنائية على تحمل الخسائر بفضل الدعم الضمني للدولة. وهو ما يعني أن المستثمر الخاص لن ينافس شركة عادية، بل ينافس كياناً يحتكر المال والسلطة والمعلومة.

3. التعارض مع “وثيقة سياسة ملكية الدولة”: ينشئ المشروع كتلة اقتصادية واسعة خارج إطار الحوكمة العام والتخارج، وهو ما يتحرك في اتجاه معاكس لالتزام الدولة المعلن بتقليص بصمتها الاقتصادية وتوسيع دور القطاع الخاص. وجدد الحزب تأكيده على أن:

“التخارج الحقيقي لا يعني نقل الأصول بين الوزارات والهيئات والصناديق، ولا يعني بيع شركات بالتوازي مع تأسيس أخرى ؛ بل يعني انسحاب الدولة من الأنشطة التنافسية، وقصر ملكيتها على الحالات الاستثنائية كالأمن القومي، المرافق العامة، والاحتكارات الطبيعية”.

4. العوار المؤسسي والمالي وصندوق “أهرامات النيل”: أثارت المذكرة تحفظات واضحة بشأن إنشاء صندوق “أهرامات النيل” ، حيث يكرر وظائف صندوق مصر السيادي ولكن ببنية حوكمة أضعف؛ تفتقر لجمعية عمومية مستقلة أو مجلس إدارة منفصل، وتدار استثماراته عبر المجلس التنفيذي للجهاز نفسه، مما يلغي الفصل بين المالك ومدير الاستثمار. كما حذر الحزب من أن التوسع في الصناديق الخاصة يخالف التوجه التشريعي لمنع إقامة حسابات خارج الموازنة الموحدة ، فضلاً عن أن فتح الباب للاقتراض الخارجي بضمان الخزانة العامة ودون سقف محدد يشكل عبئاً إضافياً على حجم الدين العام.

5. استثناءات تشريعية ومخاطر قضائية: انتقد الحزب الاتساع غير المبرر في الاستثناء من القوانين العامة، والازدواجية مع الكيانات الحالية، وغياب ضمانات المعاملات المالية البينية التي قد تفتح باب “الدعم المتقاطع”. كما شدد على الحاجة الملحة لضمان حق التقاضي الكامل وعدم تحصين أي قرار أو تصرف من الرقابة القضائية.

ختاماً: رؤية الحزب والخطوات المقبلة تحت القبة

أعلن الحزب أن هيئته البرلمانية ستتقدم بتعديلات محددة ومكتوبة على مواد المشروع لضمان تحويل الجهاز إلى أداة حقيقية لتحفيز الاستثمار وتنفيذ المشروعات الاستراتيجية الكبرى، وليس مظلة لتوسيع ملكية الدولة خارج قواعد السوق العادلة.

 

حماية الأمن الغذائي والمصالح الاستراتيجية

واختتم الحزب مذكرة موقفه بالتشديد على أن دور الدولة في حماية الأمن الغذائي والمصالح الاستراتيجية لا يجب أن يتحول إلى “ولاية اقتصادية مفتوحة” ، مؤكداً أن الدور الأصيل للدولة هو تنظيم الأسواق، وحماية المنافسة، وصون المال العام، وأن التدخل في النشاط الاقتصادي يجب أن يقتصر على حالات الضرورة القصوى، والتراجع الفوري بمجرد انتهاء مبررات التدخل.

 

اترك تعليقاً