بقلم – د. على الأزهري
في عالم البث المباشر على منصة “تيك توك”، حيث تتشابك خوارزميات الربح مع صرخات “التكبيس” المبتذلة، وتتساقط أحياناً كرامة البعض على أعتاب داعم أجنبي عابر، يقف رجلٌ يغير قواعد اللعبة بالكامل. على مدار أشهر من المتابعة الدقيقة لظاهرة أحمد وهبة، تكتشف أنك لست أمام مجرد “صانع محتوى” أو صاحب وكالة رقمية، بل أمام حالة إنسانية ووطنية فريدة؛ رجلٌ يمزج خفة الظل بوقار شديد، ويعتز بهويته حتى النخاع، ويتحرك بقلب رجل شهم يعرف معنى “الأصول”.
كبرياء الصعيد في فضاء رقمي
الملامح الأولى التي تأسرك في بثوث أحمد وهبة هي تصالحه الشديد مع جذوره. في الوقت الذي يلهث فيه الكثيرون خلف حداثة مزيفة لكسب ود الشاشات، يطل وهبة بـ الجلباب الصعيدي الأصيل، جالساً في ثبات يعكس شموخ “مصر العليا”. لا يتحدث من برج عاجي، بل يجلس بلسان مصري فصيح، يذكّر الملايين بأمجاد هذا الوطن وتاريخه. هذا الاعتزاز بالذات يمثل صدمة إيجابية لجمهور اعتاد رؤية التنازلات من أجل المشاهدات؛ فهو يثبت كل يوم أن الهوية ليست عبئاً، بل هي مصدر القوة الأول.

معركة الكرامة: “أنا أكفيك بفضل الله”
بينما يتحول بعض صناع المحتوى إلى متسولين رقميين على أبواب الداعمين من مختلف الجنسيات، واضعين أنفسهم في مواقف مهينة لا تليق ببلادهم، يرفع أحمد وهبة شعاراً مختلفاً تماماً. كلمته الشهيرة التي رددها مراراً: “أنا أكفيك بفضل الله عن الدعم الخارجي الذي فيه إذلال للنفس”، لم تكن مجرد شعار رنان، بل تحولت إلى سياج حماية. لقد أخذ على عاتقه بناء منظومة دعم محلية وعربية قوية تحمي كرامة الشاب المصري والعربي، وتغنيه عن إراقة ماء وجهه في بثوث لا تحترم إنسانيته.
قاضي عرب وجابر خواطر خلف الكواليس
أجمل ما في رحلة متابعة هذا الرجل هو ذلك الجانب الخفي الذي لا يبحث عن بهرجة الأضواء أو تصفيق المتابعين. أحمد وهبة لم يكتفِ بالدعم الافتراضي، بل تحول في كثير من الأحيان إلى ما يشبه “قاضي العرب” على المنصة؛ كم من مشاجرات وخلافات حادة نشبت بين صناع المحتوى بسبب الأموال والدعم والحسابات، فتدخل فيها بهدوء وحكمة، وفكّ النزاعات قبل أن تكبر، معيداً النفوس إلى صفائها.
ولم يقف الأمر عند النصيحة؛ بل تجده يفتح حافظة نقوده الخاصة، يبذل من ماله الخاص دون تردد ليدعم أولئك الذين تراكمت عليهم الديون وضاق بهم الحال، يسدد عن هذا ويساعد ذاك، ثم يمضي لحال سبيله في صمت تام، دون منٍّ أو سلوك استعراضي.
أثر طيب.. من البيوت البسيطة إلى أهل القرآن
في يومٍ تراه يتنقل بين حسابات الأسر البسيطة؛ تلك الحسابات المتوارية التي لا يلتفت إليها كبار المنصة، فيدخل بثهم، يزرع البسمة ويدعمهم ويمضي. وفي يوم آخر، يقبل بكل توقير وإجلال على شيخ مسن أو شاب يحفظ القرآن الكريم عبر البث المباشر. هناك، لا يبخل وهبة؛ يتدفق دعمه السخي الذي قد يتجاوز مئات الدولارات في دقائق معدودة، إيماناً بأن أهل القرآن هم الأولى بالرفع والتقدير، ليتوارى بعدها تاركاً خلفه أثراً طيباً ودعوات صادقة تهز القلوب.
أبعد من مجرد “لايف”
إن أحمد وهبة يمثل نموذجاً لما يجب أن يكون عليه “المؤثر الصادق”. إنه يثبت أن المزاح والمرح لا يتعارضان مع الهيبة، وأن التجارة الرقمية يمكن أن تحمل رسالة وطنية وأخلاقية. في زمن شحت فيه الأصالة على منصات التواصل، يبقى وهبة بصوته الصعيدي وجلبابه المهيب بمثابة “حائط صد” يعيد تعريف الشهامة والكرامة المصرية على شاشات الهواتف.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا