أوهام الانفصال ومحدودية الرهان على الخارج

د. حمادة شعبان، مشرف وحدة رصد اللغة التركية بمرصد الأزهر

كثيرًا ما وقعت بعض الحركات الانفصالية في وهم الاعتقاد بأن الدعم الخارجي قادر على تعويض غياب التوافق الوطني أو تجاوز تعقيدات الواقع الداخلي والإقليمي. وفي سبيل تحقيق أهدافها السياسية، وعلى رأسها الانفصال وتأسيس دولة، لم تتردد بعض هذه الحركات في البحث عن حلفاء خارج حدود أوطانها، حتى وإن كانوا محل رفض واسع داخل الدولة ومحيطها الإقليمي.

ومن بين هؤلاء الحلفاء يبرز الكيان الإسرائيلي الذي نظر إليه البعض باعتباره نموذجًا سياسيًا يمكن الاستفادة من تجربته في تأسيس دولة ونيل الاعتراف بها، أو شريكًا محتملًا يوفر الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي لمشروعات الانفصال.

ولا غرابة ــــــ من الناحية السياسية وليست القيمية والوطنية ــــــ في أن تدفع حسابات المصالح بعض الحركات الانفصالية إلى إقامة علاقات مع أطراف مثيرة للجدل أو مرفوضة شعبيًا، فالمشروع الانفصالي بطبيعته يبحث عن أي سند خارجي يمكن أن يعزز موقفه أو يمنحه شرعية سياسية أو يرفع كلفته على الدولة التي يسعى إلى الانفصال عنها. ولهذا شهدت المنطقة العربية، عبر عقود طويلة، تقاطعات وعلاقات بين بعض الحركات الانفصالية وقوى خارجية رأت في تلك الحركات أوراقًا يمكن توظيفها في صراعات النفوذ والتوازنات الإقليمية.

غير أن قراءة التاريخ السياسي للمنطقة تكشف حقيقة مهمة تجاهلتها كثير من هذه الحركات، وهي أن إسرائيل والقوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، لا تنظر إلى القوى الانفصالية باعتبارها حلفاء استراتيجيين دائمين، بل تتعامل معها غالبًا بوصفها أدوات أو حلفاء وظيفيين تُستخدم أدوارهم لخدمة أهداف محددة في توقيتات معينة.

وعندما تتغير الظروف أو تتبدل المصالح، تتراجع قيمة هذه الأوراق السياسية، ويصبح مصيرها مرهونًا بحسابات جديدة لا مكان فيها للعواطف أو الوعود السابقة.

لقد أثبتت تجارب عديدة أن القوى الكبرى لا تبني سياساتها على الوفاء للحلفاء بقدر ما تبنيها على حماية مصالحها القومية. وما دام الحليف الصغير يحقق منفعة سياسية أو أمنية أو استراتيجية فإنه يحظى بالاهتمام والدعم، أما عندما تنتهي الحاجة إليه أو تتغير الأولويات الدولية، فإن هذا الدعم يتراجع أو يختفي بالكامل. وعندها تجد بعض الحركات الانفصالية نفسها في مواجهة واقع أكثر صعوبة، بعد أن تكون قد خسرت جانبًا من رصيدها الوطني والشعبي نتيجة ارتباطها بقوى خارجية أثارت الشكوك حول أهدافها ونواياها.

وفي المقابل، تنظر الدول العربية والإسلامية إلى مشاريع الانفصال باعتبارها تهديدًا مباشرًا لوحدة الدولة الوطنية واستقرارها. فالمسألة لا تتعلق بحدود دولة واحدة أو أزمة محلية عابرة، بل ترتبط بمخاوف أوسع تتعلق بمستقبل المنطقة بأسرها. فنجاح تجربة انفصالية في دولة ما قد يشجع ظهور مطالب مماثلة في دول أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام موجات متلاحقة من التفكك والصراعات الحدودية والنزاعات الداخلية التي يصعب احتواؤها.

ومن هنا جاء الموقف العربي الرافض عمومًا لمشروعات التقسيم والانفصال، ليس فقط دفاعًا عن وحدة الدول القائمة، بل انطلاقًا من إدراك عميق بأن استقرار المنطقة يرتبط بالحفاظ على الدولة الوطنية ومنع انزلاقها إلى دوامة التشظي والانقسامات.

فالتاريخ أثبت أن الانفصال لا ينهي الأزمات، بل يجلب الأعداء إلى الحدود ويخلق أزمات جديدة أكثر تعقيدًا، سواء على مستوى الهوية أو الاقتصاد أو الأمن أو العلاقات الإقليمية.

إن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من تجارب المنطقة هو أن الرهان على الخارج لا يمكن أن يكون بديلًا عن الشرعية الوطنية أو التوافق الداخلي. فالدول تُبنى بإرادة شعوبها، وتُحفظ وحدتها عبر العدالة السياسية والتنمية والمشاركة، لا عبر التحالفات العابرة أو الوعود الخارجية المؤقتة. أما القوى الدولية والإقليمية فتظل محكومة بمنطق المصالح المتغيرة، وهو منطق لا يعرف الأصدقاء الدائمين بقدر ما يعرف المصالح الدائمة.

ولذلك، فإن الحركات التي تراهن على دعم الخارج لتحقيق أهداف داخلية كبرى قد تكتشف متأخرة أنها لم تكن أكثر من ورقة في لعبة أكبر منها، وأن الدول التي وعدتها بالمساندة لم تكن ترى فيها سوى أداة لخدمة أهداف مرحلية. وعندما تنتهي المهمة، تنتهي معها الوعود، ويبقى أصحاب تلك المشاريع وحدهم أمام استحقاقات الواقع وأحكام التاريخ.

ويبقى هنا سؤال جوهري ينبغي أن تضعه الحركات الانفصالية نصب أعينها قبل أن تراهن على أي دعم خارجي: هل تسعى إسرائيل فعلًا إلى مساندة بعض المكونات العرقية في المنطقة من أجل تمكينها من إقامة دول مستقلة، أم أن الهدف الحقيقي هو توظيف هذه الملفات لإرباك الدول المستهدفة وإضعاف تماسكها الداخلي وإشغالها بصراعات قد تضطر فيها إلى استخدام القوة ضد تلك العرقيات وتسوقه إسرائيل إعلاميًا وتستفيد منه في إثبات آرائها حول دول المنطقة؟

اترك تعليقاً