استراتيجية أوزبكستان الجديدة في مكافحة الجهل بالتنوير

علاء الدين نعماتوف

باحث علمي بمركز الإمام البخاري الدولي للبحوث العلمية

إن الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لم يكن مجرد مرحلة للتقدم التكنولوجي المتسارع للبشرية، بل كان حقبة شهدت تحولات عالمية عميقة وأزمات فكرية حادة. واليوم، نرى أن جذور الراديكالية والتطرف والانتشار المتزايد للأفكار الهدامة التي تهدد الأمن الدولي لا تقتصر على العوامل الاقتصادية أو السياسية فحسب. بل تكمن المشكلة الأساسية وجوهرها في الفراغ المعرفي، وتزييف الوعي البشري، والتحريف المتعمد للمفاهيم والقيم الدينية السامية، وهو ما يمكن تسميته بظاهرة “الجهل العالمي”. ولعقود طويلة، واجه المجتمع الدولي هذه التهديدات عبر استراتيجيات أمنية قائمة على استخدام القوة أساساً. ومع ذلك، فقد أثبت الزمن والتجربة العملية أن الفكرة لا تُحارب إلا بالفكرة، وأن الجهل لا يُقضى عليه إلا بنور العلم والتنوير، لضمان تحقيق نتائج مستدامة.

وفي هذا السياق، تبرز الإصلاحات الدينية والتنويرية التي تشهدها في السنوات الأخيرة جمهورية أوزبكستان الجديدة – التي تقع في قلب آسيا الوسطى وتعد واحدة من أهم المراكز التاريخية للحضارة الإسلامية – لتشكل محور اهتمام علمي وبحثي واسع. إن مفهوم “مكافحة الجهل بالتنوير” الذي طرحه فخامة الرئيس شوكت مرضيائيف وجعله في مقدمة أولويات سياسة الدولة، ليس مجرد شعار اجتماعي عابر، بل هو استراتيجية وطنية منهجية ومدروسة. وتستهدف هذه الاستراتيجية معالجة أسباب التطرف والوقاية منها، بدلاً من الاقتصار على مكافحة نتائجه، وتعمل على القضاء على جذوره المتمثلة في الأمية، والتعصب، والتحجر الفكري، والتهميش الاجتماعي.

وتبرز الحاجة الملحة للتأصيل العلمي والمنهجي للنموذج الوطني المتميز الذي تقدمه أوزبكستان الجديدة في ترسيخ قيم التسامح الديني، والوئام بين القوميات، وبناء المناعة الفكرية لدى المجتمع. ويتمثل الهدف الأساسي من المقال في تسليط الضوء على هذه الاستراتيجية وتحليل أبعادها المؤسساتية والتعليمية والدولية، مع الكشف عن الأهمية الإقليمية والعالمية لهذه التجربة الرائدة. ولتحقيق هذا الهدف، يستعرض المقال الترابط المنهجي بين القواعد القانونية للدولة في المجال الديني، وأنشطة مراكز البحوث العلمية المنشأة حديثاً، والمبادرات الدولية المبتكرة.

التحليل الفكري والأسس النظرية

إن الثنائية بين “الجهل” و”التنوير” تمثل واحدة من أقدم المفاهيم الأساسية في تاريخ الفكر الفلسفي والاجتماعي الإنساني. ففي الأدبيات العلمية، لا يُعرَّف الجهل بكونه مجرد غياب للمعلومة، بل يُفهم كونه تفسيراً مشوهاً ومغلوطاً للوجود والقيم، ومصدراً للتعصب وضيق الأفق. وفي المقابل، يبرز التنوير كمنظومة معرفية متكاملة ترتقي بالوعي الإنساني وترسخ قيم التسامح والنزعة الإنسانية السامية. وبناءً على ما توصل إليه الباحثون المعاصرون في الشرق والغرب (لا سيما في دراسات علم نفس التطرف)، فإن نشوء العنف والتطرف غالباً ما يكون نتيجة للتلقي السطحي والمتعصب للمعارف، سواء كانت دينية أو دنيوية.

ولطالما كانت منطقة آسيا الوسطى، وتحديداً أراضي أوزبكستان الحالية، مركزاً تاريخياً كبيراً للصراع الفكري بين هذين المفهومين. وقد قدم علماء النهضة الشرقية الأولى والثانية (في القرنين التاسع إلى الثاني عشر، والرابع عشر إلى السادس عشر ميلادي) أدلة قوية في مؤلفاتهم تثبت أن الجهل هو الخطر الأكبر الذي يقود المجتمعات نحو الانهيار والدمار. وفي هذا الصدد، أكد أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري على أهمية التناغم بين العلوم الدينية والدنيوية في عصره، وصنف في كتابه الصحيح الشهير “الجامع الصحيح” باباً أسماه “كتاب العلم”، مقدماً فيه العلم والمعرفة على القول والعمل.

كذلك، قام العالم الموسوعي أبو الريحان البيروني في مؤلفاته الفريدة مثل “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” و”الآثار الباقية عن القرون الخالية” بتحليل التعصب والإنكار الأعمى لثقافات الآخرين (الزنوفوبيا) بوصفهما القوة الأكثر تدميراً للعقل البشري والتقدم الاجتماعي. وقد دعا البيروني المجتمع والأوساط العلمية إلى الترفع عن النزعات الفكرية الضيقة، ودراسة العالم بناءً على معايير التفكير العلمي والموضوعية والإنصاف.

وفي مطلع القرن العشرين، حول رواد حركة “الجديديين” (التنويريين) في آسيا الوسطى – مثل محمود خواجه بهبودي، وعبد الله أولاني، وغيرهم – هذه النظرية إلى حراك اجتماعي عملي. ففي أفكارهم، كان الجهل هو السبب الرئيسي وراء تخلف الأمة ووقوعها تحت وطأة الاستعمار، بينما اعتبرت إصلاحات التعليم والمدارس (التنوير) السبيل الوحيد للحرية والنهوض والتحرر.

وفي سياق الدراسات السياسية والفلسفية المعاصرة، تعد استراتيجية “مكافحة الجهل بالتنوير” في أوزبكستان الجديدة امتداداً منطقياً لهذا الموروث العلمي والتاريخي العريق، وتطويراً له بما يتلاءم مع تحديات عصر العولمة. ويتماشى هذا النهج الذي تتبعه الدولة تماماً مع مفاهيم “القوة الناعمة” (Soft Power) و”الأمن الإنساني” (Human Security) في نظريات الأمن الدولي، مشكلاً نموذجاً نظرياً وعملياً للانتقال من منظومة الردع الأمني والقوة الصلبة إلى منظومة الارتقاء بالوعي والفكر الإنساني.

الخطوات العملية في أوزبكستان الجديدة نحو “مكافحة الجهل بالتنوير”

إن استراتيجية أوزبكستان الجديدة في هذا المجال ليست مجرد تنظير أكاديمي أو خطاب اجتماعي، بل جرى تطبيقها على أرض الواقع من خلال منظومة متكاملة من الإصلاحات المؤسساتية، والوقائية، والتشريعية، فضلاً عن المبادرات الدولية الرائدة. ويمكن تصنيف هذا النهج الاستراتيجي وتحليله من خلال ثلاثة محاور أساسية:

  1. الإصلاحات المؤسساتية العلمية ودور “مراكز الفكر”

في إطار مكافحة التعصب الفكري والتطرف، اتخذت الدولة خطوة تاريخية تمثلت في إنشاء منصات مؤسساتية قوية لتقديم بدائل علمية وسطية ومعتدلة تفند دعاوى الجماعات الضالة والمنحرفة. وتجسد ذلك عملياً في تأسيس مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، والأكاديمية الإسلامية الدولية بأوزبكستان، إلى جانب المراكز العلمية والبحثية الدولية المخصصة لدراسة موروث القامات السامقة مثل: الإمام البخاري، والإمام الماتريدي، والإمام الترمذي، وبهاء الدين النقشبند، وبرهان الدين المرغيناني.

ولا تقتصر مهمة هذه المؤسسات على حفظ المخطوطات التاريخية وترجمتها فحسب، بل إنها تعمل كمراكز فكر وبحث استراتيجية (Think Tanks) تساهم في رسم السياسات التنويرية للدولة وإعداد تحليلات علمية دقيقة لمواجهة التهديدات الفكرية. وتضطلع هذه المراكز بمسؤولية وطنية وإنسانية كبرى، حيث تعمل على تفنيد الشبهات الأيديولوجية للجماعات المتطرفة بناءً على علم الحديث الشريف، والفقه الإسلامي، ومذهب الإمام الماتريدي في علم الكلام، وتقديم حجج علمية رصينة ومقنعة (الخطاب البديل المضاد).

  1. التناغم بين المنظومة التعليمية والآليات الوقائية القانونية

تتمثل الدعامة الثانية في بناء مناعة فكرية قوية لدى المجتمع، لا سيما بين فئات الشباب. وتتم هذه العملية من خلال دمج المناهج التعليمية التي تنمي التفكير النقدي، وتدريس تاريخ الأديان، وغرس القيم الإنسانية المشتركة. وفي عصر الانفجار المعلوماتي، تسعى الدولة جاهدة لرفع مستوى “الوعي الإعلامي” والتربية الرقمية للشباب لمنع وقوعهم في شباك الجماعات المتطرفة عبر الفضاء الافتراضي.

وبالتوازي مع هذه الإجراءات التنويرية، يتم تطبيق تدابير قانونية وقائية بالتعاون مع الجهات القضائية والتشريعية. ومن هذا المنطلق، تقوم وزارة العدل بجمهورية أوزبكستان بصفة دورية ومنتظمة بنشر القائمة الرسمية للمواقع الإلكترونية، وصفحات التواصل الاجتماعي، والقنوات الرقمية التي قضت المحكمة العليا للبلاد بحظرها لتورطها في نشر أفكار متطرفة وإرهابية. وتعمل هذه الآلية بمثابة درع قانوني ووقائي يحمي المواطنين والشباب من الانزلاق غير الواعي خلف الدعوات المشبوهة والهدامة في الفضاء الرقمي.

  1. المبادرات الدولية على الساحة العالمية

لم تحصر أوزبكستان تجربتها الناجحة داخل حدودها الجغرافية فحسب، بل عملت على تقديمها كرسالة سلام للعالم أجمع. وخير دليل على ذلك هو المبادرة التاريخية التي طرحها الرئيس شوكت مرضيائيف وتبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع في قرارها الشهير تحت عنوان “التنوير والتسامح الديني”. وقد اعتبر هذا القرار الدولي آلية عالمية لضمان الحق في التعليم، والقضاء على الأمية والجهل، والأهم من ذلك — تعزيز التسامح الديني والوئام الإنساني بين مختلف الشعوب، وهي رؤية تتسق بالكامل مع مفهوم “الأمن الإنساني” الشامل.

النتائج والأبعاد الاجتماعية وتفسيرها

لقد حققت استراتيجية “مكافحة الجهل بالتنوير” والتدابير المؤسساتية والقانونية المصاحبة لها في أوزبكستان الجديدة نتائج ملموسة وذات أبعاد استراتيجية في الحياة الروحية والاجتماعية للبلاد، وضمان استقرار المجتمع، وتعميق قيم التسامح. ويمكن إجمال هذه الثمار في النقاط التالية:

أولاً: ساهمت الإصدارات العلمية والمؤلفات الفكرية والردود المنهجية التي أعدتها “مراكز الفكر” المتخصصة والأكاديمية الإسلامية الدولية في ترسيخ المعارف الإسلامية الصحيحة والمعتدلة في أوساط المجتمع. وأدى ذلك إلى تشكيل حصانة دينية وفكرية قوية لدى الشباب ضد السموم الفكرية التي تبثها الجماعات المنحرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما زاد من قدرة المجتمع على “الرفض الذاتي” للأفكار المتطرفة.

ثانياً: ساهم النشر المستمر للقوائم الرقمية المحظورة من قبل وزارة العدل، ورفع مستوى الوعي الرقمي في المؤسسات التعليمية، في خلق فضاء معلوماتي آمن ونظيف. وقد وفر هذا النهج حماية استباقية للأجيال الناشئة من الوقوع في فخ التجنيد الافتراضي، وأسس لثقافة التعامل الواعي والمسؤول مع المحتوى الرقمي، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في معدلات التأثر بالحملات الفكرية الهدامة.

ثالثاً: أسست هذه الاستراتيجية لنموذج حضاري وبناء للعلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية. فبفضل النهج التنويري، ارتقت مستويات الثقة المتبادلة والوئام بين مختلف الطوائف الدينية والقوميات المتعايشة في البلاد إلى آفاق جديدة ومثمرة.

ومن منظور التحليل والمناقشة العلمية، يلقى النموذج الأوزبكي إشادة دولية واسعة كأحد أكثر الأنظمة فعالية في الوقاية من التطرف ومكافحته. وخلافاً للمقاربات الأمنية التقليدية التي تركز على معالجة آثار المشكلة، أثبت نموذج “المكافحة بالتنوير” أن استهداف المسببات الحقيقية — كالأمية والمعرفة المشوهة والفراغ الفكري — هو السبيل الأوحد لبناء استقرار مجتمعي طويل الأمد. إن هذا النموذج لا يمثل قصة نجاح لمنطقة آسيا الوسطى فحسب، بل يطرح نفسه كاستراتيجية نموذجية قابلة للتطبيق والاستفادة منها في العالم الإسلامي والمنظومة الأمنية الدولية برمتها.

خاتمة

يظهر تحليل الإصلاحات الهيكلية والخطوات المنهجية الجارية في المجال الديني والتنويري في أوزبكستان الجديدة أن استراتيجية “مكافحة الجهل بالتنوير” تشكل الركيزة الأساسية لحماية الأمن القومي للبلاد وضمان استقرارها المجتمعي. وتؤدي البيانات والمعطيات الواردة أعلاه إلى استخلاص النتائج العامة التالية:

إن استراتيجية أوزبكستان في مواجهة التهديدات الفكرية والراديكالية تختلف جوهرياً عن الأساليب التقليدية، لكونها تركز على تجفيف منابع الإرهاب المتمثلة في الجهل والأمية الفكرية، مقدمةً بذلك نموذجاً عملياً ناجحاً لمفهوم “القوة الناعمة” و”الأمن الإنساني” على الصعيد الدولي.

أثبتت المراكز الدولية للبحوث العلمية (مركز الحضارة الإسلامية، ومراكز البخاري والماتريدي والترمذي وغيرها) كفاءتها العالية ليس كدور للعلم الأكاديمي فحسب، بل كمؤسسات فكرية فاعلة وصانعة للمحتوى المعرفي القادر على دحض الأفكار المنحرفة والهدامة بأسلوب علمي ومنهجي رصين.

حقق الدمج المتقن بين التوعية المعرفية والآليات القانونية الوقائية (مثل الحظر القضائي المدروس للمواقع المتطرفة ونشرها الشفاف عبر وزارة العدل) توازناً فريداً ساهم في إنجاح التدابير الاستباقية وتحصين المجتمع والشباب رقمياً وفكرياً.

جاء تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة لقرار “التنوير والتسامح الديني” بمبادرة من الرئيس شوكت مرضيائيف ليمثل اعترافاً دولياً أممياً بالأبعاد الإنسانية والعالمية الشاملة لهذا النموذج الوطني الفريد.

وبناءً على ذلك، فإن استراتيجية أوزبكستان الجديدة تقدم اليوم دليلاً عملياً وخارطة طريق ملهمة للعديد من دول العالم، وبخاصة دول العالم الإسلامي، تثبت أن السلاح الحقيقي والأكثر فتكاً بالجهل والتطرف والدمار هو سلاح السلام، والتسامح، ونور العلم والتنوير.

 

اترك تعليقاً