الإصلاحات الدينية والمعرفية في أوزبكستان الجديدة: إنجازات عقدٍ تضاهي قرناً

بقلم: الأستاذ الدكتور شاه واصل زيادوف،
مدير مركز الإمام البخاري الدولي للبحوث العلمية، دكتور في علوم التاريخ.

في سياق التحولات الاستراتيجية والنهضة الشاملة التي تشهدها “أوزبكستان الجديدة”، تتبوأ المسألة الدينية والمعرفية وإحياء التراث الروحي والإسلامي موقع الصدارة في فكر وقيادة فخامة الرئيس شوكت ميرضيائيف.

إن الإنجازات والتحولات الجذرية التي تحققت خلال العقد المنقضي لا تمثل مجرد محطة في تاريخ البلاد الحديث، بل هي حدث تاريخي فارق حظي بإشادة واعتراف واسعين من كافة الأوساط الأكاديمية والمؤسسات الإسلامية الدولية.

طالما كانت أرض ما وراء النهر مهد الحضارة الإسلامية ومنبع أئمة الحديث والكلام والفقه. غير أن التحفظات والقيود المعرفية التي فرضتها الحقبة السوفيتية وما تلاها حالت دون الاستفادة الكاملة من هذا الموروث الضخم.

ومن هنا، تمثلت الرؤية الفلسفية التأسيسية لفخامة الرئيس في النظرة إلى الشأن الديني والمعرفي لا كعامل خطر أو تهديد، بل كمعين زلال وقوة دافعة لترسيخ قيم التسامح والاعتدال والاستقرار الأخلاقي والمجتمعي.

أضحت المبادرة السامية التي أطلقها فخامة الرئيس تحت شعار “مكافحة الجهل بالمعرفة” المرتكز الفلسفي الأول لهذه الإصلاحات. وهي استراتيجية استبدلت الوسائل الأمنية والإدارية الصلبة بمنهج فكري قائم على العلم وإشاعة المعرفة وإحياء التراث العلمي للأجداد لتعزيز حصانة المجتمع.

ولم تقتصر هذه الرؤية على الداخل، بل امتدت إلى المحافل الدولية؛ حيث تجسدت في دعوة فخامته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والاعتماد التاريخي للقرار الأممي “التعليم والتسامح الديني” والذي أضحى وثيقة مرجعية دولية لنشر قيم الإسلام الوسطي السمح في مواجهة ظواهر التطرف والإسلاموفوبيا.

حرصت القيادة الأوزبكستانية على وضع الإصلاحات المعرفية ضمن أطر مؤسسية وأكاديمية رصينة، فرُفعت صروح علمية وثقافية تُعد من المفاخر الحضارية في العصر الحديث:
مركز الحضارة الإسلامية في طشقند يمثل إحدى أكبر المبادرات الحضارية في أوزبكستان الجديدة. فهو ليس مجرد متحف أو مكتبة، بل منصة أكاديمية جامعة تحتضن التراث العلمي لأعلام ما وراء النهر وتضطلع بمهام البحث والترجمة والنشر الدولي.

المراكز الدولية المتخصصة للبحوث: تأسس مركز الإمام البخاري الدولي للبحوث العلمية في سمرقند ومركز الإمام الماتريدي الدولي للبحوث العلمية في طشقند (التابعان لمجلس الوزراء)، إضافة إلى مركز الإمام الترمذي في سرخان داريا. وتعمل هذه المراكز كحصن فكري يُعنى بتحقيق المخطوطات الأصيلة وترجمتها للغة العصرية وتقديم الردود العلمية المحكمة على الشبهات والأفكار المنحرفة.

تُعدّ أكاديمية أوزبكستان الإسلامية الدولية صرحاً تعليمياً جامعاً يدمج بين العلوم الشرعية الأصيلة والعلوم العصرية، لإعداد كوادر أكاديمية متخصصة في علوم القرآن والحديث والفقه والدراسات الدينية المقارنة والعلاقات الدولية. وفضلاً عن ذلك، فإن إنشاء المعهد العالي للحديث النبوي وعلومه في سمرقند والمخصص لتقديم تعليم متعمق ومتخصص في علوم الحديث الشريف، يسهم بشكل مباشر في مواصلة تقاليد الأجداد القائمة على التوارث العلمي والمنهجي.

وتتويجاً للجهود المعرفية، أُسس وسام “الإمام البخاري” رفيع المستوى، كأعلى تكريم دولي تُسديه الدولة للعلماء والشخصيات التي أسهمت في خدمة الفكر الإسلامي وتطوير العلوم وتعزيز السلام.

وفي دلالة رمزية عميقة تعكس عمق روابط الأخوة الإسلامية والتقدير المتبادل، قام فخامة الرئيس شوكت ميرضيائيف بمنح هذا الوسام الرفيع لكل من فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان، رئيس جمهورية تركيا ولخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، مما أكد المكانة المرموقة لأوزبكستان ولتراث أجدادها في الوجدان الإسلامي العالمي.

شهدت المؤسسات التعليمية الدينية في البلاد – وفي مقدمتها معهد طشقند الإسلامي ومدرسة مير عرب العالية – قفزة نوعية في مناهجها وطاقاتها الاستيعابية. ولم يعد التعليم يقتصر على العلوم النقلية فحسب، بل أُدرجت اللغات الأجنبية وتقنيات المعلومات والعلوم الاجتماعية لتخريج عالم معاصر يستوعب واقع عصره.

ومما يُشار إليه بالبنان، حفل تخرج الدفعة الأولى من حملة الماجستير بمعهد طشقند الإسلامي؛ حيث قدم الخريجون 52 بحثاً علمياً ونالوا 53 إجازة علمية مسندة في أمهات الكتب مثل “صحيح البخاري”، و”سنن الترمذي” و”تفسير النسفي” و”الهداية” للمرغيناني. وحصلوا كذلك على شهادات دولية في المالية الإسلامية (CPSS) والنمذجة ثلاثية الأبعاد؛ حيث حظي كل خريج بتكريم ورعاية مالية مباشرة من فخامة الرئيس بلغت 20 مليون سوم، تشجيعاً للنوابغ من أهل العلم.

وعلى صعيد صيانة التراث، تخضع أكثر من 100 ألف مخطوطة نادرة محفوظة في الخزائن الأوزبكستانية لمشاريع الفهرسة والرقمنة والتحقيق العلمي؛ لتكون متاحة للباحثين في مشارق الأرض ومغاربها.

تضع “أوزبكستان الجديدة” كرامة الإنسان وحقوقه المكفولة في بؤرة اهتمامها وقد تجسد ذلك في خطوات عملية اتسمت بالشجاعة والإنسانية:
عمليات «مهر» الإنسانية: نجحت الدولة في تنفيذ أربع عمليات إنسانية معقدة لإعادة أكثر من 530 مواطناً (معظمهم من النساء والأطفال) من مناطق النزاع في سوريا والعراق وأفغانستان وإدماجهم مجتمعياً ونفسياً وتوفير الحياة الكريمة لهم.

إلغاء «القوائم الخاصة» والعفو الرئاسي: جرى إلغاء القوائم الأمنية التي كانت تضم أكثر من 17 ألف مواطن ورُدَّت إليهم حقوقهم كمواطنين كاملين، إضافة إلى إصدار قرارات العفو الرئاسي متتابعة عن المحكومين في قضايا فكرية وإعادة تأهيلهم ودمجهم في سوق العمل.

توسيع شعائر الحج والتيسير على الفئات المكروبة: تم زيادة حصص الحج والعمرة أضعافاً مضاعفة. ولأول مرة، تكلفت الدولة ورجال الأعمال بإيفاد المئات من كبار السن والمتقاعدين وأسر الشهداء والفئات المسجلة في برامج الرعاية الاجتماعية (“الدفتري الحديدي” و”دفتر النساء”) لأداء فريضة الحج على نفقة الدولة.

التكافل الاجتماعي في شهر رمضان: استجابة للتوجيهات الرئاسية، يُخصص سنوياً ما يقارب ترليون سوم (من خلال صندوق “وقف” والوكالة الوطنية للحماية الاجتماعية) لمكافحة الفقر وتغطية التكاليف الطبية للعمليات الجراحية المعقدة، وتقديم المساعدات للمحتاجين تحت شعار “رمضان – شهر الرحمة والمودة والشكر”.
رسخ القانون الجديد بشأن حرية الضمير والمؤسسات الدينية ضمانات ممارسة الشعائر الدينية وتبسيط إجراءات تسجيل الجمعيات والمؤسسات الدينية. وتعيش في أوزبكستان كافّة المكونات الدينية من مسلمين ومسيحيين ويهود وغيرهم في إطار من التعايش السلمي والمواطنة المتساوية، حيث تحظى دور العبادة لكافة الأديان بالرعاية والدعم الحكومي.

إن ما تحقق في أوزبكستان خلال العقد الأخير بتوجيهات من فخامة الرئيس شوكت ميرضيائيف يمثل بحق سياسة عقد من الزمان تضاهي إنجازات قرن كامل. لقد أثبتت أوزبكستان للعالم أجمع أن النهج الأمثل لحماية المجتمعات ليس بالحظر والضيق، بل بالانفتاح المعرفي والعناية بالعلماء ونشر روح التسامح والاعتدال.

ومن موقعنا في مركز الإمام البخاري الدولي للبحوث العلمية، نمد أيدي التعاون والإخاء الأكاديمي إلى كافة المؤسسات العلمية وفي مقدمتها جامع الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية ودار الإفتاء المصرية وجميع الجامعات والمراكز البحثية في مصر الكنانة؛ لنعمل سوياً على خدمة التراث الإسلامي الأصيل ونشر قيم السلام والمعرفة التي تركها لنا أئمتنا الأعلام.

 

اترك تعليقاً