كتبت ـ شمس طه
انتقلت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة إلى مرحلة جديدة في تعاملها مع قضية العمل غير المستقر للنساء، بعد أن بدأت تنفيذ تدخلات ميدانية تستند إلى نتائج ورقة السياسات التي أصدرتها المؤسسة حول أوضاع النساء العاملات في القطاعين الزراعي والصناعي في مصر، وذلك في إطار برنامج «من الحماية إلى التغيير».
ويستهدف البرنامج اختبار الفجوات التي كشفت عنها عملية البحث على أرض الواقع، والتعامل معها من خلال تدخلات مباشرة مع النساء، بالتوازي مع الاستماع إلى تجاربهن ورصد العقبات التي تحد من قدرتهن على الوصول إلى حقوقهن وآليات الحماية.
وشهد البرنامج تنفيذ أول تدريباته تحت عنوان «اعرفي حقك» على مدار يومين، بمشاركة نساء وفتيات يعملن في أنماط مختلفة من العمل غير المستقر، من العاملات باليومية والزراعة والمصانع، إلى العاملات في الأعمال المؤقتة والموسمية وغير الرسمية، فضلًا عن مشاركة نساء أميات.
وجاء التدريب بصورة عملية تستهدف ربط المعرفة الحقوقية بالتجارب اليومية للمشاركات، حيث تناول موضوعات تتعلق بالأجور وظروف العمل، والتأمين والحماية الاجتماعية، والسلامة والصحة المهنية، وإثبات علاقة العمل، بالإضافة إلى كيفية التعامل مع الانتهاكات ومعرفة مسارات الشكوى والحماية والإنصاف.
لكن المؤسسة تعاملت مع التدريب باعتباره أكثر من نشاط للتوعية بالحقوق، إذ خصص جانبًا منه للاستماع إلى المشاركات والتعرف على تفاصيل تجاربهن في العمل، وما يواجهنه من صعوبات، سواء داخل أماكن العمل أو عند محاولة الوصول إلى الحقوق والضمانات وآليات الحماية.
وتعتبر «ملاذ» أن هذه الخطوة تمثل تحولًا مهمًا في منهجية العمل على القضية، إذ إن تحديد المشكلة من خلال البحث لا يكفي وحده لبناء تدخل فعال، ما لم يصاحبه فهم لما يحدث على الأرض، وكيف تظهر الفجوات في حياة النساء، وما الذي يمنعهن فعليًا من الاستفادة من الحقوق والحماية المتاحة.
وفي هذا الإطار، لا تنظر المؤسسة إلى النساء المشاركات باعتبارهن مستفيدات من برنامج تدريبي فقط، وإنما باعتبارهن مصدرًا أساسيًا للمعرفة التي ستساعد في تطوير المراحل التالية من البرنامج، بحيث تصبح الخبرات التي يتم جمعها من الميدان امتدادًا لما خلصت إليه ورقة السياسات.
المجتمع المدني كحلقة وصل بين الحق والممارسة
وترى مؤسسة ملاذ أن معالجة أوضاع العمل غير المستقر تحتاج إلى حضور أكثر فاعلية للمجتمع المدني، باعتباره قادرًا على الوصول إلى الفئات التي تواجه عوائق متعددة في الوصول إلى الخدمات والحقوق، وعلى تحويل التجارب الفردية إلى أنماط ومؤشرات يمكن رصدها وتوثيقها والاستفادة منها في تطوير التدخلات.
ومن خلال «من الحماية إلى التغيير»، تحاول المؤسسة القيام بهذا الدور عبر بناء حلقة وصل بين النساء العاملات وبين مسارات الحماية والسياسات والممارسات، والعمل على تقليص الفجوة بين الحقوق الموجودة في النصوص وبين قدرة النساء على الوصول إليها في الواقع.
ويأتي ذلك في سياق التزامات مصر في مجال حقوق المرأة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحقوق العمل، في ضوء الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي انضمت إليها، ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو»، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلًا عن التزاماتها ذات الصلة بمعايير العمل الدولية.
وفي هذا السياق، ترى المؤسسة أن دور المجتمع المدني لا ينبغي أن يتوقف عند التوعية، وإنما يمتد إلى الرصد والاستماع والتوثيق وتحليل الفجوات، بما يسمح بتقديم صورة أكثر دقة عن الواقع والمساهمة في تطوير استجابات أكثر ملاءمة لاحتياجات الفئات المستهدفة.
رضوى الخولي: ما يحدث في الميدان سيحدد خطواتنا المقبلة
وقالت رضوى الخولي، المدير التنفيذي لمؤسسة ملاذ لدعم المرأة، إن تنفيذ البرنامج يمثل محاولة لنقل القضية من مستوى تحليل المشكلة إلى اختبارها من خلال العمل المباشر مع النساء.
وأوضحت الخولي أن «اعرفي حقك» لم يكن هدفه أن تخرج المشاركات بمعلومات نظرية فقط، وإنما أن يكون نقطة بداية لفهم ما يحدث بالفعل داخل بيئات العمل، مشيرة إلى أن «هناك فارقًا بين أن نعرف أن حقًا ما موجود، وبين أن نعرف لماذا لا تستطيع عاملة الوصول إليه عندما تحتاجه».
وأضافت: «ما سمعناه من النساء خلال التدريب مهم بالنسبة لنا بقدر أهمية ما خلصنا إليه في ورقة السياسات؛ لأننا إذا أردنا أن نبني تدخلًا يستجيب للمشكلة فعلًا، فعلينا أن نفهم كيف تظهر هذه المشكلة في الحياة اليومية، وما العوائق التي تقف أمام النساء عندما يحاولن حماية حقوقهن».
وأكدت الخولي أن المؤسسة ستستفيد من نتائج العمل الميداني في تحديد أولويات الرصد والتوثيق والمناصرة خلال المراحل المقبلة، قائلة: «نريد أن تكون العلاقة بين البحث والميدان علاقة مستمرة في الاتجاهين؛ البحث يساعدنا على فهم ما نبحث عنه في الميدان، والميدان يعيد إلينا معرفة جديدة تساعدنا على تطوير فهمنا وتدخلاتنا».
«خدي خطوتك» تستكمل المسار
ويأتي تدريب «اعرفي حقك» كأولى مراحل برنامج «من الحماية إلى التغيير»، الذي يعتمد على مسار متدرج يبدأ بالتدخل والاستماع، ثم رصد وتوثيق الفجوات التي يكشفها العمل الميداني، وصولًا إلى تطوير أدوات للمناصرة والتدخل.
ومن المقرر أن تستكمل المؤسسة البرنامج من خلال التدريب الثاني «خدي خطوتك»، ليواصل المسار العمل على الانتقال من المعرفة بالحقوق إلى القدرة على التعامل معها والوصول إلى آليات الحماية، بالتوازي مع استمرار المؤسسة في استخلاص الدروس والاحتياجات التي يكشفها العمل المباشر مع النساء.
وتسعى «ملاذ» من خلال هذا المسار إلى بناء نموذج عمل لا يفصل بين البحث والتدخل، وإنما يجعل كل مرحلة أساسًا للمرحلة التالية؛ بحيث لا تظل نتائج البحث منفصلة عن الواقع، ولا تبقى الخبرات الميدانية مجرد تجارب فردية، وإنما تتحول إلى معرفة قابلة للرصد والتوثيق والاستفادة منها في تطوير الحماية والمناصرة.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا