أ.د. محمد سيد ورداني
أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر
لم تعد الحاجة لصياغة عاجلة للقانون الدولي لتحويله من مجرد بنود مسلوبة الصلاحية لا يعرف العالم عنها شيئًا سوى منطوقها إلى آلة ردع لكل معتد وملاذٍ لكل مظلوم، لم يعد ذلك من باب الرفاهية بل بات ضرورة نحو الطريق إلى عالم ينعم بالاستقرار ويلفظ البلطجة والاستقواء والانحيازية الغاشمة.
ودعونا نضع المصطلحات في نصابها، فما آل حال العالم إلى ما هو عليه الآن إلا نتيجة تفريغ المؤسسات الدولية من مضمونها ونزعها جميع صلاحياتها، فقديمًا وقبيل ما يواجهه العالم من فوضى قانونية وانتهاكات واضحة لمعايير العدالة الدولية، كنت بمجرد أن تتعرض أذنيك لمصطلح «القانون الدولي» ينصرف الذهن مباشرة إلى منظومة لا تعرف سوى القوة العادلة التي تعد مرحلة اللجوء الأخيرة لكل مُعتدَى عليه، لكن سرعان ما تحول هذا الأمر إلى مجرد خيال صنعته بعض القوى التي جعلت من هذه المؤسسات أذرعًا لفرض سيطرتها وليس العكس، وأبت أن يكون إنشاء مثل هذه الكيانات الدولية ليس إلا مجرد «روبوت» لا يعرف سوى تنفيذ ما أدخل إليه من معلومات، لنجد أنفسنا دائمًا كمجتمع دولي خاصة من وصفوه بأنه مجتمع «نامي» أمام الحاكم والحكم، فلا خيار أمامنا سوى السير خلف ركاب وفي حصانة «فتوة الحارة»، الذي لا يقنع إلا بما يحقق صالحه الشخصي على حساب دمار الإنسان والبنيان.
حالة من العبث اللانهائي، فكونك دولة ليست بعظمى ليس أمامك خيارات سوى مساومة «فتوة العالم»، أو المواءمة في علاقاتك الدولية بين القوى المتناحرة، فإعلان التبعية لأحدهم هو ذاته إعلان رسمي بمعاداة الآخر وقد لا يكون لك في ذلك ناقةٌ ولا جمل، لكنها طبيعة المرحلة التي كُتبت على كل مجتمع لا يملك أوراق القوى.
أما آن لعالمنا المعاصر أن يحيا حياة كريمة تنبذ العنصرية وتقمع الظلم وأهله، وتقف حائط سد منيع أمام كل من تسوِّل له مطامعه النيل من ضعفاء هذا العالم وفقراءه، بل أما آن لقوم سُلبوا الأرض والنفس أن يدركوا ولو لحظة أنهم لهم حق الحياة الآمنة كغيرهم من بني البشر، عجبًا لعالم مُلئت قوائمه بمؤسسات حقوقية ومحاكم دولية ليس لها حتى من اسمها نصيب، بل الأعجب من ذلك أن هذه الهيئات لم يصبح لها حتى حقَّ الدفاع عن قرارتها فضلًا عن تنفيذها.
والمتأمل في دائرة الصراع العالمية والتي يشتعل جُلّها في منطقة الشرق الأوسط، يرى رأي العين أن القاتل معلوم للجميع في توقيت كان ولا يزال فيه القاضي مجهول في المعنى رغم أنه المعروفين لفظًا ومكانةً، ما يفتح الباب لمقولةٍ لا ينبغي أن تكون في عالمِ متحضِّر وهي أن «البقاء للأقوى»، فلا يُعقل بعد أن أصبحنا في عالمٍ منظومٍ ومتحضِّر يتَّخذ من القيم والإنسانية شعارًا أن يكون ميدانه غابةٌ يأكل فيها القويُّ الضعيف.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا