«ملاذ لدعم المرأة» تدعو إلى إعادة بناء العدالة الأسرية

كتب- شمس طه: 

أصدرت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة ورقة سياسات تتناول رؤية إصلاحية تستهدف تطوير طريقة تعامل النظام القضائي مع الأطفال داخل النزاعات الأسرية، في ظل تصاعد التأثيرات النفسية والاجتماعية الممتدة الناتجة عن الخلافات الأسرية وحالات الانفصال.

وأكدت المؤسسة أن الواقع الحالي لقضايا الأسرة يكشف عن تحوّل هذه النزاعات من مجرد خصومات قانونية إلى أزمات إنسانية ممتدة يتحمل الأطفال العبء الأكبر من تداعياتها، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي أو التعليمي، وهو ما يفرض ضرورة التعامل مع الطفل باعتباره محورًا للحماية داخل منظومة العدالة الأسرية.

وأوضحت الورقة أن المنظومة الحالية، رغم تنظيمها للجوانب القانونية المتعلقة بالنفقة والحضانة والرؤية، لا تزال تفتقر إلى إطار متكامل يضمن تقييمًا حقيقيًا ومستمرًا للأثر النفسي والاجتماعي الواقع على الطفل أثناء النزاع وبعده، الأمر الذي يخلق فجوة بين النصوص القانونية والاحتياجات الفعلية للأطفال داخل هذه القضايا.

وشددت مؤسسة ملاذ على أهمية الانتقال من مفهوم “إدارة النزاع” إلى مفهوم “حماية الطفل”، عبر إدخال آليات أكثر تطورًا داخل محاكم الأسرة، تشمل التقييم النفسي والاجتماعي الإلزامي، وتوحيد معايير دراسة الحالات، وتعزيز دور الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين داخل مراحل التقاضي المختلفة.

كما دعت الورقة إلى تطوير آليات الرؤية والاستضافة بما يراعي الحالة النفسية واحتياجات النمو لدى الطفل، إلى جانب إنشاء منظومة متابعة تمتد لما بعد صدور الأحكام القضائية، لضمان عدم استمرار الآثار السلبية للنزاع الأسري على الأطفال على المدى الطويل.

واقترحت المؤسسة عددًا من البدائل الإصلاحية التي تتدرج بين التطوير التدريجي للمنظومة الحالية، وبناء نموذج مؤسسي لإدارة حالة الطفل داخل القضاء، وصولًا إلى تصور أكثر شمولًا يعيد تعريف فلسفة العدالة الأسرية نفسها على أساس أن “حماية الطفل” هي الغاية الأساسية لأي قرار قضائي.

ورجّحت الورقة تبني نموذج إصلاحي تدريجي يجمع بين تطوير البنية المؤسسية لمحاكم الأسرة، وإدخال أدوات تدخل وقائي مبكر للحد من تصاعد النزاعات وتأثيرها على الأطفال، باعتباره المسار الأكثر قابلية للتطبيق في المرحلة الحالية.

وفي هذا السياق، قالت رضوى الخولي، المدير التنفيذي لمؤسسة ملاذ لدعم المرأة:
“ما يواجهه الأطفال داخل النزاعات الأسرية لا يجب النظر إليه باعتباره أثرًا جانبيًا للخلافات بين الأطراف، بل باعتباره قضية حماية أساسية تستوجب تدخلًا مؤسسيًا واضحًا. الطفل في كثير من الأحيان يصبح الطرف الأكثر تضررًا رغم أنه الأقل قدرة على التعبير عن احتياجاته أو الدفاع عن استقراره النفسي.”

وأضافت: “نحن بحاجة إلى منظومة عدالة أسرية أكثر إنسانية، لا تكتفي بحسم النزاع قانونيًا، وإنما تمتلك القدرة على تقييم أثر هذا النزاع على الطفل بشكل فعلي. لذلك تدعو الورقة إلى دمج البعد النفسي والاجتماعي داخل عملية التقاضي، بحيث تصبح مصلحة الطفل معيارًا حقيقيًا في صناعة القرار القضائي.”

وأكدت الخولي أن الإصلاح المطلوب لا يرتبط فقط بتعديل بعض الإجراءات، وإنما بإعادة التفكير في فلسفة العدالة الأسرية نفسها، بما يضمن وجود منظومة أكثر قدرة على حماية الأطفال وتقليل آثار النزاعات الممتدة عليهم.

واختتمت مؤسسة ملاذ بيانها بالتأكيد على أن أي تطوير حقيقي لمنظومة الأحوال الشخصية يجب أن يُقاس بقدرته على توفير بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا للأطفال، باعتبارهم الفئة الأكثر احتياجًا للحماية داخل النزاعات الأسرية.

اترك تعليقاً