كتبت ـ شمس طه
أصدرت مؤسسة ملاذ لدعم المرأة ورقة سياسات جديدة بعنوان «العمل غير المستقر للنساء في القطاعين الصناعي والزراعي: فجوات الحماية ومخاطر الاستغلال»، تتناول أوضاع النساء العاملات في أنماط التشغيل المؤقت واليومي والموسمي، والعاملات عبر المقاولين والوسطاء وسلاسل التوريد، وتطرح تصورًا جديدًا لإعادة بناء منظومة الحماية بحيث لا ترتبط استمرارية الحقوق باستقرار علاقة العمل.
وتنطلق الورقة من أن العمل غير المستقر ليس مشكلة في ذاته، وإنما تصبح خطورته في اللحظة التي يتحول فيها عدم استقرار العمل إلى عدم استقرار في الحقوق والحماية. فعدم انتظام الدخل، وغياب وضوح العلاقة التعاقدية، وتعدد أطراف التشغيل، وصعوبة الوصول إلى مواقع العمل، والخوف من فقدان مصدر الدخل عند المطالبة بالحقوق، قد تجعل العاملة أكثر تعرضًا للمخاطر وأقل قدرة على الوصول إلى الشكوى والإنصاف.
وتكشف الورقة عن اختلاف مصادر الهشاشة بين القطاعين الصناعي والزراعي؛ ففي القطاع الصناعي ترتبط المخاطر بصورة أكبر بالتشغيل المؤقت والعمل عبر المقاولين والموردين وتعدد مستويات سلاسل الإنتاج، بينما ترتبط في القطاع الزراعي بالموسمية والعمل اليومي وتشتت مواقع التشغيل والوسطاء ومخاطر الانتقال إلى مواقع العمل.
وترى «ملاذ» أن اختلاف السياق بين القطاعين لا يلغي وجود مشكلة مشتركة تتمثل في الفجوة بين الحقوق المقررة قانونًا والحماية التي تصل إلى العاملة فعليًا. ولهذا حددت الورقة ست فجوات مترابطة تشكل جوهر المشكلة، هي: فجوة التغطية والحماية الفعلية، وفجوة الانتقال من العمل إلى العمل اللائق، وفجوة التكييف القطاعي، وفجوة تحديد المسؤولية وإنفاذها، وفجوة التنفيذ والرقابة، والفجوة الجندرية.
وتلفت الورقة إلى أن بعض المخاطر المرتبطة بالعمل لا تبدأ عند بوابة المصنع أو الحقل، وإنما قد تبدأ أثناء الطريق إلى موقع التشغيل، خصوصًا بالنسبة إلى العاملات في العمل الزراعي اليومي والموسمي. ومن هنا تطرح الورقة مفهومًا أكثر اتساعًا للسلامة المهنية، يقوم على أن «سلامة الطريق جزء من سلامة العمل» عندما يكون الانتقال مرتبطًا بترتيبات التشغيل.
وقالت رضوى الخولي، المدير التنفيذي لمؤسسة ملاذ لدعم المرأة، إن «العمل غير المستقر لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لعدم استقرار الحقوق»، موضحة أن «المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تصبح العاملة هي الطرف الوحيد الذي يتحمل تكلفة تغير العمل، فتخسر الحماية مع كل تغير في العقد أو صاحب العمل أو الموسم أو موقع التشغيل».
وأضافت الخولي: «نحن بحاجة إلى تغيير نقطة البداية في منظومة الحماية. بدلًا من أن نسأل أولًا: من هو صاحب العمل؟ يجب أن نسأل: كيف نضمن أن تظل حقوق العاملة قائمة مهما تغير صاحب العمل أو الموسم أو مكان العمل؟ الحق يجب أن يتبع العاملة، لا أن ينتهي بانتهاء العقد».
وتطرح الورقة، في هذا السياق، بديلًا سياسيا رئيسيًا تحت عنوان «الحق يتبع العاملة»، يقوم على تطوير حماية أكثر قابلية للانتقال مع النساء العاملات في أوضاع التشغيل غير المستقر، بحيث يمكن أن تستمر الحماية رغم انتقال العاملة بين أصحاب العمل أو مواقع التشغيل أو المواسم أو الوسطاء.
وتوصي الورقة بأن يكون المجلس القومي للمرأة أحد الفاعلين الرئيسيين في اختبار هذا النموذج، من خلال تفعيل الدور الميداني لمكاتبه وفروعه في المحافظات، ولا سيما المحافظات الريفية التي ترتفع فيها العمالة الزراعية، والمحافظات التي تضم مناطق وتجمعات صناعية تعتمد بدرجات مختلفة على العمالة المؤقتة أو الموسمية.
وترجح الورقة، في هذا السياق، بديلًا سياسيا رئيسيًا تحت عنوان «الحق يتبع العاملة»، يقوم على تطوير آليات حماية أكثر قابلية للاستمرار مع النساء العاملات في أوضاع التشغيل غير المستقر، بحيث تراعي انتقالهن بين أصحاب العمل ومواقع التشغيل والمواسم، وتدعم قدرتهم على الوصول إلى الحماية والخدمات ذات الصلة بحقوق العمل.
وفي هذا الإطار، تقترح مؤسسة ملاذ لدعم المرأة الاستفادة من المكاتب والفروع التابعة للمجلس القومي للمرأة في المحافظات، خاصة المحافظات الريفية التي تنتشر فيها العمالة الزراعية، والمحافظات التي تضم مناطق صناعية، لتطوير آليات للرصد المبكر والتواصل مع النساء العاملات في أوضاع التشغيل غير المستقر، وتيسير وصولهن إلى المعلومات والحماية وخدمات الإحالة والمتابعة.
كما تقترح الورقة اختبار «ملف حماية محمول» للعاملة، يتيح توثيق عناصر أساسية مرتبطة بطبيعة العمل وجهات التشغيل والمواسم ومخاطر العمل والنقل، بما يدعم استمرارية مسار الحماية عند تغير ظروف التشغيل.
وقالت رضوى الخولي، المدير التنفيذي لمؤسسة ملاذ لدعم المرأة: «نحن لا نقترح مسارات موازية، وإنما نرى أهمية البناء على الأدوار القائمة للمؤسسات الوطنية، وتطوير التنسيق بينها بما يجعل الحماية أكثر قربًا من العاملات وأكثر قدرة على الاستمرار مع تغير ظروف العمل».
وتخلص المؤسسة إلى أن الهدف ليس الحد من مرونة سوق العمل، وإنما ضمان ألا تؤدي هذه المرونة إلى انقطاع الحماية، وأن تظل حقوق المرأة العاملة قائمة مهما تغير شكل العمل.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا