خدعة الهدنة وطبول الحرب

بقلم دكتور: أحمد يحيى

تأتي التطورات المتسارعة في الساعات الأخيرة لتؤكد أسوأ مخاوفنا وتضع حداً لمرحلة من التفاؤل الحذر، فقد تحول الحديث عن تمديد الهدنة إلى فشل ذريع بعدما انفضت مفاوضات إسلام آباد، دون الوصول إلى صيغة توافقية، حيث تمسكت واشنطن برفض التمديد مالم تحصل على تنازلات نووية صريحة، في المقابل رفضت طهران بيع مبادئها مقابل مجرد وقت مستقطع، هذا الانسداد السياسي ليس مجرد خبر عابر، بل هو الدليل العملي على أن الهدنة لم تكن يوماً جسراً للعبور نحو السلام، بقدر ما كانت سلم نزول استخدمته الأطراف لإعادة ترتيب أوراقها ولملمة جراحها، ومع فشل التمديد اليوم، ندرك أن التعادل السلبي الذي فرض السكون المؤقت قد انكسر تماماً، وأن الخصوم قد استغلوا الهدنة لشحن بطارياتهم العسكرية بدلاً من تبريد رؤوسهم السياسية.

إننا اليوم لم نعد أمام فاصل إعلاني في هذا الصراع، بل نحن بصدد بداية الفصل الثاني من الجحيم، حيث يتوقع أن يكون التصعيد القادم أشرس بكثير بعدما ماتت الثقة تماماً وتجاوزت الحسابات الضيقة الدور المصري الذي كان يمثل الوسيط الأمثل بخبرته في ملفات غزة وسيناء، وهذا الفشل لم يكن مفاجئاً لمن يقرأ التاريخ، فالمفاوض الإيراني الذي يشبه تاجراً شاطراً يمتلك رفاهية الوقت، يجيد اللعب بالنفس الطويل، تماماً كما حدث في هدنة 2019 عقب هجوم أرامكو، حين استخدمت طهران وقف إطلاق النار لتعزيز ترسانتها الصاروخية وتوسيع نفوذ ميليشياتها قبل أن تعود واشنطن للتصعيد، واليوم يتكرر السيناريو ذاته بعد قصف هرمز إذ فشلت الهدنة في تحقيق أهدافها الجوهرية المتمثلة في منع الحرب واختبار النوايا، خاصة مع وجود وسطاء كباكستان المرتبطة بصفقات معينة أو تركيا المنشغلة بملفات أخرى.

هذا الانهيار في المسار الدبلوماسي سيقودنا فوراً إلى تداعيات خطيرة، تبدأ ميدانياً بخروقات في مضيق هرمز واستهداف للقواعد الأمريكية عبر أذرع إيران في المنطقة، وتنعكس اقتصادياً بجموح أسعار النفط لتتخطى حاجز 120 دولاراً، ما يمثل ضربة قاصمة للاستقرار الإقليمي، وصولاً إلى استغلال إيراني لحالة الضعف الداخلي في واشنطن للضغط على الحلفاء.

إن الدرس المستفاد هنا هو أن الهدنات ليست حلاً نهائياً بل هي مخرج مؤقت، ومع انعدام الرغبة في تفكيك جذور الأزمة، يظل التصعيد الوشيك هو الحقيقة الوحيدة التي تنتظرنا خلف باب المفاوضات المغلق.

اترك تعليقاً