بقلم د. حمادة شعبان
عضو هيئة التدريس بكلية اللغات والترجمة، ومشرف وحدة رصد اللغة التركية بمرصد الأزهر
يعكس المشهد العالمي المعاصر لوحةً كثيفة الألوان من التنوع الثقافي والإثني والديني، حيث تشير أحدث التقديرات إلى أن الدول المستقلة، البالغ عددها 193 دولة، تحتضن في داخلها ما يقارب 600 لغة حية ونحو 5 آلاف مجموعة إثنية.
وفي ظل هذا الزخم، تبدو الدول التي تتسم بتجانس لغوي أو عرقي شبه استثناء نادر. ويرسخ هذا الواقع من أهمية الاعتراف بالتنوع والتعددية الثقافية باعتبارهما قيمة إنسانية وحضارية لا غنى عنها، ويضعها في مواجهة مفاهيم مثل التجانس والاندماج والتوائم، التي تدفع أصحاب الثقافات الفرعية إلى التنازل عن جزء من خصوصيتهم لصالح ثقافة الأغلبية.
ومنذ القرن التاسع عشر، ومع بداية أفول الإمبراطوريات وصعود الدولة القومية على أنقاضها، خاضت دول العالم تجارب متباينة في إدارة التنوع والتعامل مع الثقافات الفرعية. ففي المراحل الأولى لبناء الأمة، تبنّت عديد من الدول سياسات موجّهة نحو الجماعات التي بقيت خارج الإطار الثقافي السائد، واضعةً نصب أعينها هدف السيطرة وإعادة التشكيل، ومتعاملةً معها بوصفها “إشكالية” تتطلب المعالجة. وغالبًا ما تجلّت هذه السياسات في محاولات للدمج الثقافي، سعت من خلالها الأنظمة إلى فرض قدر من الوحدة الثقافية باعتبارها شرطًا للاستقرار السياسي.
لكن التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية أعادت فتح ملف سياسات الدمج الثقافي على نطاق واسع، بعد أن كشفت التجارب المبكرة محدودية قدرتها على استيعاب التعدد الإثني والثقافي ضمن إطار الثقافة السائدة في مرحلة بناء الدولة القومية.
وفي هذا السياق، برزت مقاربة بديلة عن سياسة الدمج، تمثلت في نموذج “بوتقة الانصهار”، الذي ينطلق من فرضية أن التفاعل المستمر بين الثقافات المختلفة لا يؤدي إلى ذوبانها في ثقافة مهيمنة، بقدر ما يفضي إلى ولادة ثقافة جديدة تتشكل من هذا التداخل، كما تجلّى في التجربة الثقافية الأمريكية. ومن هنا فإن الفرصة تكون سانحة أمام أصحاب الثقافات الفرعية للتأثير في الثقافة السائدة.
غير أن التطبيق العملي سرعان ما كشف الطابع الرومانسي لمقاربة “بوتقة الانصهار”، إذ ظلت الثقافات المهيمنة في المجتمعات التعددية تحتفظ بسطوتها، وتُستدعى مرجعًا حاسمًا عند نشوب الخلافات بين الثقافات الأخرى.
وفي مواجهة هذا القصور، برز “نموذج الفسيفساء الإثنية” بوصفه طرحًا بديلًا، يقوم على فكرة صون كل ثقافة لخصوصيتها، بحيث تتجاور الثقافات داخل المجتمع كقطع فسيفساء متجاورة، تتعايش دون أن تنصهر أو تذوب في بعضها البعض.
إلا أن هذا النموذج لم يحقق النتائج المرجوة، إذ اصطدمت مبادئه بالواقع العملي للسياسات المطبّقة. ففي الحالة الكندية، على سبيل المثال، سبقت الإقرار الرسمي بالتعددية الثقافية جهودٌ مكثفة لحماية الثقافتين الإنجليزية والفرنسية، باعتبارهما ركيزتين للنموذج الفسيفسائي، مع السعي إلى تجنّب إقامة تراتبية بينهما. غير أن هذا الاهتمام لم يمتد بالقدر ذاته إلى بقية المجموعات الثقافية والإثنية الأخرى، ما كشف حدود النموذج وعجزه عن تحقيق مساواة فعلية بين مكونات المجتمع المتنوع.
وابتداءً من سبعينيات القرن العشرين، اتجهت بعض الدول إلى تبنّي أطر قانونية وسياسية أكثر حساسية للتنوع، واضعةً مطالب الجماعات ذات الخصوصيات الثقافية في صدارة الاهتمام العام. وقد اصطلح على هذه المقاربة بمفهوم “قبول التعددية الثقافية”، الذي يقوم على الاعتراف بالتنوع وإدارته ضمن منظومة تضمن الحقوق والتمثيل المتكافئ بين جميع فئات المجتمع.
وفي السياق العربي والإسلامي، يتقاطع هذا المفهوم مع مبدأ “قبول الآخر” والتعارف بين المختلفين، وهو مبدأ راسخ في المرجعية القرآنية، كما في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ” (الحجرات: 13).
فهنا يكون التنوع بين البشر مدعاة للتعارف والتآلف وليس مدعاة للاحتلاف والتنافر. وليس الإنسان مضطرًا للتخلي عن ثقافته أو التفريط في ملامح هويته كي يندمج في مجتمعه؛ بل إن المسؤولية تقع على عاتق المجتمع ذاته في ترسيخ البعد الإنساني، واحترام التنوع، وتفعيل مبدأ المواطنة بما يضمن لكل فرد حقوقه ويحدد واجباته على قدم المساواة.
وفي ظل هذا الإطار، يتحول التنوع من تحدٍ إلى رافعة للثراء الحضاري والاجتماعي، ومصدر قوة يدعم تماسك الأوطان واستقرارها. حفظ الله أوطاننا بتنوعها، وجعل من اختلافها طاقةً بنّاءة تعزز حاضرها وتصون مستقبلها.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا