الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات:عمالة الأطفال بين الفقر والاستغلال

 

كتبت ـ شمس طه

تابعت الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات ببالغ الحزن والأسى حادث تصادم سيارتي نقل العمال بمنطقة الدواويس بمحافظة الإسماعيلية وما أسفر عنه من وفيات وإصابات بينها أطفال وفقا للبيانات المعلنة.

ومن جانبها أكدت الجمعية، أن هذه الواقعة لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد حادث مروري عابر وإنما يجب أن تكون مناسبة جادة لإعادة فتح ملف عمالة الأطفال في مصر والبحث في الظروف التي يعمل وينتقل فيها الأطفال ومدى التزام أصحاب الأعمال والجهات المعنية بالقواعد القانونية التي وضعتها الدولة لحمايتهم.

وقالت إن وجود أطفال بين ضحايا أو مصابي حادث مرتبط بنقل العمال يطرح أسئلة حقوقية وقانونية لا يجوز تجاهلها. كيف وصل هؤلاء الأطفال إلى سوق العمل؟ ومن قام بتشغيلهم؟ وما طبيعة الأعمال التي كانوا يؤدونها؟ وهل كانت تتناسب مع أعمارهم؟ وهل توافرت لهم شروط السلامة والحماية؟ وكيف تم نقلهم؟ وهل كانت هناك جهات أو أشخاص يعلمون بوجود أطفال يعملون في ظروف قد تعرض حياتهم للخطر ولم يتدخلوا؟

وتؤكد الجمعية أن الطفل ليس قوة عمل رخيصة ولا مصدرا إضافيا لدخل الأسرة ولا وسيلة لتقليل تكلفة العمالة. فالطفولة مرحلة أساسية في بناء الإنسان ويجب أن تكون الأولوية خلالها للتعليم والرعاية والحماية والنمو الآمن وليس التعرض للاستغلال الاقتصادي أو الأعمال التي تهدد حياة الطفل وصحته وسلامته.

وتستند حماية الطفل في مصر إلى أساس دستوري وقانوني واضح حيث تقرر المادة 80 من الدستور المصري حماية الطفل من الاستغلال التجاري والاقتصادي وتحظر تشغيله قبل بلوغه السن التي يحددها القانون وفي الأعمال التي تعرضه للخطر.

كما نظم قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 تشغيل وتدريب الأطفال ووضع ضوابط واضحة تتعلق بالسن وساعات العمل وطبيعة المهن التي يجوز للطفل التدريب أو العمل فيها وحظر تشغيل الأطفال في الأعمال التي يمكن أن تعرض صحتهم أو سلامتهم أو نموهم للخطر.

وتتوافق هذه الحماية مع الالتزامات الدولية لمصر بموجب اتفاقية حقوق الطفل التي تنص في المادة 32 على حق الطفل في الحماية من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يحتمل أن يكون خطرا أو يعوق تعليمه أو يضر بصحته أو نموه البدني أو العقلي أو المعنوي أو الاجتماعي.

كما تأتي اتفاقيتا منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام ورقم 182 بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والقضاء عليها لتؤكدا ضرورة حماية الأطفال من الأعمال التي تعرضهم للخطر وضمان عدم استخدامهم في ظروف تهدد صحتهم أو سلامتهم أو مستقبلهم، حيث أن  تشغيل طفل في عمل خطر لا يمثل مجرد مخالفة عمالية وإنما قد يمثل إخلالا بمجموعة من الحقوق الأساسية التي كفلها الدستور والقانون والمواثيق الدولية وفي مقدمتها الحق في الحياة والسلامة والصحة والتعليم والحماية من الاستغلال.

وترى الجمعية أن مسؤولية مواجهة عمالة الأطفال يجب أن تقوم على تحديد المسؤولية القانونية لكل طرف وفقا لما تكشف عنه التحقيقات ودون انتقائية أو تحميل طرف واحد المسؤولية قبل ثبوتها.

وفي الوقت نفسه لا يجوز أن تتحول مسؤولية الأسرة إلى وسيلة لإعفاء أصحاب الأعمال من مسؤولياتهم. فإذا ثبت أن صاحب العمل قام بتشغيل طفل بالمخالفة للقانون أو وضعه في عمل خطر أو استغل حاجته الاقتصادية فعليه أن يتحمل المسؤولية التي يحددها القانون.

كما يجب أن تمتد التحقيقات إلى كل من تثبت مسؤوليته عن تشغيل الطفل أو الإشراف عليه أو نقله أو توفير بيئة عمل غير آمنة له أو التقصير في منع المخالفة وفقا لما تسفر عنه التحقيقات.

وتؤكد الجمعية أن الهدف من المساءلة ليس البحث عن كبش فداء وإنما الوصول إلى الحقيقة الكاملة وتحديد سلسلة المسؤولية حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى.

كما ترى الجمعية أن حادث الإسماعيلية يجب ألا ينظر إليه باعتباره واقعة منفصلة عن غيرها من الحوادث التي شهدتها مصر والتي ارتبطت بعمالة الأطفال أو بوجود أطفال في ظروف عمل أو نقل غير آمنة.

وتطالب الجمعية بفتح تحقيق شامل في ملابسات حادث الإسماعيلية وتحديد المسؤوليات القانونية كاملة وإعلان نتائج التحقيقات بشفافية بما لا يتعارض مع حماية حقوق الأطفال وخصوصيتهم.

كما تطالب بحصر أعمار الأطفال المتوفين والمصابين والتحقق من ظروف وجودهم في موقع الحادث وطبيعة الأعمال التي كانوا يؤدونها إن ثبت أنهم كانوا يعملون وتحديد الجهات أو الأشخاص الذين قاموا بتشغيلهم أو الإشراف عليهم أو نقلهم

وتطالب الجمعية كذلك بتكثيف حملات التفتيش على أماكن العمل التي تنتشر فيها عمالة الأطفال وخاصة الأعمال الزراعية والورش والمصانع ومواقع البناء وأعمال اليومية وغيرها من القطاعات التي قد تشهد تشغيل الأطفال في ظروف غير آمنة.

كما تدعو إلى تشديد الرقابة على وسائل نقل العمال والتأكد من استيفائها اشتراطات السلامة وعدم السماح بنقل الأطفال في وسائل أو ظروف تعرض حياتهم للخطر.

وتشدد الجمعية على ضرورة تفعيل دور لجان حماية الطفولة ووزارة العمل والجهات المعنية في اكتشاف حالات عمالة الأطفال والتدخل المبكر قبل وقوع الحوادث بدلا من انتظار الكارثة ثم البحث عن المسؤول عنها.

كما تدعو إلى تعزيز برامج الحماية الاجتماعية للأسر الأكثر احتياجا ومواجهة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض الأسر إلى إرسال أطفالها للعمل مع توفير بدائل حقيقية تضمن استمرار الأطفال في التعليم وتحميهم من الاستغلال.

وأوضحت أن مكافحة عمالة الأطفال لا يمكن أن تقوم على العقاب وحده وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين إنفاذ القانون والحماية الاجتماعية والتعليم والرقابة والتدخل المبكر.

وأكدت الجمعية، أن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون الاعتبار الأول في جميع الإجراءات والسياسات المتعلقة به وأن الحق في الحياة والسلامة والتعليم والحماية من الاستغلال حقوق أصيلة لا يجوز التهاون فيها.

واختتمت الجمعية، قائلة إن أطفال مصر ليسوا قوة عمل رخيصة ولا أرقاما في سجلات الحوادث وكل طفل يفقد حياته أثناء العمل هو إنذار جديد بأن هناك خللا يجب اكتشافه ومعالجته ومحاسبة المسؤول عنه حتى لا يدفع طفل آخر الثمن.