تحية لجمهورية أذربيجان

 

بقلم د/ حمادة إسماعيل شعبان
مدرس اللغة التركية المساعد بجامعة الأزهر

 

كمتخصصين في اللغة التركية وآدابها ارتبطت عندنا أذربيجان ارتباطًا وثيق العرى بتركيا، فأثناء دراستنا للأدب التركي درسنا نصوصًا أدبية لشعراء آذاريين أو كتبوا أشعارً باللهجة التركية الآذارية مثل الشاعر “فضولي البغدادي” شاعر الآذارية العظيم، والشاعر “نظامي الجنجوي” شاعر الحب والفضيلة. ولم يقتصر الأمر على دراسة الأدب فقط بل أن هناك بعض أقسام اللغات التركية في الجامعات المصرية تُدرس اللهجة الآذارية جنبًا إلى جنب مع لهجة تركية تركيا مثل كلية الآداب جامعة القاهرة وكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر، هذا إضافة إلى بعض الباحثين الذين يتخصصون في اللهجة الآذارية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، وقد كان استاذنا المرحوم/ الدكتور “الصفصافي أحمد المرسي” دائم النصح للباحثين باقتحام مجال اللهجات التركية وآداب الدول الأخرى الناطقة باللغة التركية، وكان رحمه الله يقول دائمًا “كفى هذه السنوات على تركيا، ولنتوجه بأبحاثنا إلى دول آسيا الوسطى وآدابها”. 

ولقد كنت ولا زلت دائم الشغف بمطالعة الصحف التركية وترجمة أخبار ومقالات منها، وكنت الاحظ دائمًا مدى عمق العلاقات التركية الأذربيجانية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالتطبيع بين البلدين قائم على قدم وساق، لدرجة أنك تشعر أن تركيا جزء من أذربيجان وأذربيجان جزء من تركيا، لذلك تعقبت العلاقات بين الدولتين التي تربطهما روابط ثقافية قديمة تضرب أعماقها الطويلة في قلب التاريخ.

أما في العصر القريب فتركيا تعتبر أول دولة في العالم اعترفت بجمهورية أذربيجان وكان ذلك في التاسع من نوفمبر عام 1991م، أي بعد حوالي شهر فقط من إعلان أذربيجان الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي السابق في الثلاثين من أغسطس عام 1991م. وأقيمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في الرابع عشر من يناير 1992م، ورفعت تركيا مستوى تمثيلها الدبلوماسي في “باكو” العاصمة الآذرية من قنصل عام إلى سفير.

كذلك عينت قنصلين لها في مدينة (جنجه)، وفي جمهورية (ناهتشيفان) ذات الحكم الذاتي والتابعة لأذربيجان. كذلك أذربيجان بجانب سفيرها في أنقره عينت قنصلًا لها في استانبول وآخر في مدينة “قارص”. والعلاقات بين الدولتين علاقات استراتيجية ومتعددة الأبعاد. والزيارات المتبادلة على المستوى الأعلى بين البلدين هى أهم قوة دفع وراء عمق هذه العلاقات.

بل أن القادة الآذاريين السياسين بمجرد توليهم مناصبهم يبدأون زيارتهم الخارجية بتركيا، والأمر ذاته مع القادة الأتراك، وذلك للتأكيد وللرمزية على عمق العلاقة بين الدولتين. ومن أجل تقوية هذه العلاقات بين الدولتين تم تأسيس “مجلس التعاون الاستراتيجي الأعلى” في عام 2010م، وهو مجلس يعقد جلساته على مستوى رئاسة الجمهورية، وقد عقد هذا المجلس جتى الآن خمسة جلسات، آخرها عُقد في أنقره في الخامس عشر من مارس 2016.

كذلك تساند تركيا أذربيجان في حل مشكلة منطقة “قاره باغ” التابعة لأذربيجان والتي تحتلها أرمينيا. وهذه القضية تمثل القضية الأولى للسياسة الخارجية الآذارية.
هذه الأشياء والروابط القوية بين تركيا وأذربيجان جعلتني لا أشك ولو للحظة في أن موقف أذربيجان من مصر لا يختلف عن موقف النظام التركي. ولكن كانت المفاجئة بالنسبة لي هى المواقف المتتالية للحكومة الآذارية وللسفراء الآذاريين في القاهرة والمساندة لمصر مساندة كاملة، ففي إبريل 2014م أكد السفير الآذري “شاهين عبدالايف” على عمق العلاقات المصرية الآذارية مشيرًا إلى أن بلاده من أوائل الدول المساندة لمصر باستمرار، والداعمه لثورتيها.

كذلك في الثاني من نوفمبر 2016م قام السيد “ألمار ممديا ردوف” وزير خارجية آذربيجان بزيارة إلى مصر والتقى فيها بالرئيس عبدالفتاح السيسي وسلمه دعوة من رئيس جمهوريته لزيارة أذربيجان، كما التقى الوزير بالعديد من المسؤولين المصريين على رأسهم وزير الخارجية سامح شكري ورئيس الوزراء شريف إسماعيل.

وفي مارس 2017 أعلن “ترال رضاييف” سفير اذربيجان بالقاهرة أن بلاده تنتظر زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال العام الحالى تلبية للدعوة التى تم توجيهها فى إطار العلاقات السياسية الممتازة بين البلدين.

وقال فى تصريحات لـجريدة «الأهرام» إن اللجنة المشتركة المصرية الأذربيجانية سوف تجتمع فى يوليو الحالي لبحث تنشيط العلاقات فى المجالات المختلفة، ومتابعة الاتفاقيات التى تم التوصل اليها مؤخراً ومن بينها اتفاق توريد المواد البترولية.

وقال إن مصر تحظى بمكانة خاصة ضمن اهتمامات السياسة الخارجية الأذربيجانية ضمن الدائرة الاسلامية للعلاقات حيث أبدت أذربيجان دائما اهتماما خاصا لتطوير التعاون مع البلدان الإسلامية ولعبت دور الجسر بين الحضارتين الغربية والشرقية من حيث موقعها الجغرافى وقامت بترويج القيم الثقافية والروحية للاسلام فى العالم، ومن هذا المنطلق أعلنت العام الجارى عاما للتعاون بين الدول الإسلامية.

من أجل هذا كله يستطيع كاتب هذا المقال أن يجزم بأن جمهورية أذربيجان تعرف حجم مصر كدولة قوية ذات ثقل في محيطها الإقليمي والدولي ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تسوء العلاقات معها. كما أن موقف أذربيجان هذا مع مصر يدل على أن أذربيجان دولة قوية ومستقلة في قراراتها، لا يتدخل أحد في شئونها، دولة لها رؤيتها الخاصة وسياستها الخارجية المتعددة الأبعاد والتي ترتكز على أن علاقاتها بين الدول وخصوصًا الدول ذات التأثير على المستوى الأقليمي والدولي ليست بديلة عن بعضها بعض وإنما علاقات مكملة لبعضها بعض، فليس معنى أن حليفها الأول تركيا مختلف مع مصر أنها تقاطع مصر، بل على العكس اتبعت سياسة خارجية متناغمة لم تفقدها حلفاؤها، سياسة خارجية مبنية في الأساس الأول على مصالح الشعب الآذري، ولا هدف لها سوى تحقيق طموحاته، فتحية لجمهورية أذربيجان.