د. حمادة شعبان يكتب: الأسرة أولًا

بقلم- د. حمادة شعبان

 

يقول نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “لاعبه سبعًا، وأدبه سبعًا، وصاحبه سبعًا”، وهو توجيه نبوي بليغ يحدد مراحل تربية الطفل وفق تطوره النفسي والعقلي. ففي السنوات السبع الأولى، يعيش الطفل مرحلة الطفولة البريئة التي تحتاج إلى الحنان واللطف والمداعبة، بما يعزز شعوره بالأمان والانتماء. ثم ينتقل في السنوات السبع التالية إلى مرحلة تتطلب التأديب والتهذيب، مع الإعداد النفسي لتحمل المسؤولية وبناء الشخصية.

أما في السنوات السبع التي تليها، فيبلغ مرحلة من النضج تستدعي المصاحبة القائمة على الحوار والنصح وتبادل الرأي.

وهكذا، يمر الإنسان السوي بمراحل متدرجة تمتد لنحو إحدى وعشرين سنة، يتشكل الابن أو البنت فيها نفسيًا وجسديًا في ظلٍ أسرة واعية مستقرة تلاعب وتداعب، وتؤدب وتهذب، وتصاحب وتنصح وتغرس القيم المجتمعية، وترسخ الخصوصية الثقافية في عصر تتعرض فيه هذه الخصوصية لتحديات قوية، تنتشر عبر وسائل التواصل الحديثة التي يسيء عدد غير قليل من شبابنا استخدامها.

وتشهد هذه الأيام حوارات ومناقشات مجتمعية حول قانون الأحوال الشخصية، الذي يُعد في جوهره قانونًا ينظم شؤون الأسرة. ويتكرر الحديث عن مواد القانون القائم، وما ينبغي إدخاله عليها من تعديلات بما يحقق مصلحة جميع الأطراف.

ولا شك أن هذه النقاشات، عبر الشاشات أو على مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي، تمثل مساحة ثرية لتناول قضايا تمس أهم مؤسسة في المجتمع، وهي الأسرة.

غير أن اللافت في بعض هذه النقاشات، هو اختزال القانون في قضايا محددة بعينها، مثل سن الحضانة، والرؤية، والاستضافة، ونظام النفقة، مع إغفال جوانب مهمة تمس المجتمع بأسره وتنعكس عليه سلبًا. فإذا كان الهدف من أي قانون هو توجيه المجتمع نحو ما هو صحيح ومقبول، فإن ذلك يقتضي بالدرجة الأولى إطلاق حوار مجتمعي أوسع حول ضرورة الحفاظ على استقرار مؤسسة الأسرة ذاتها، وإبراز دورها في بناء المجتمع، وتسليط الضوء على سلبيات التفكك الأسري والأثار السلبية لتربية الأطفال بعيدًا عن أحد أبويه. وتراثنا الديني مفعم بما يرسخ قيمة الأسرة، وتراثنا الحضاري كذلك، إذ قامت حضاراتنا المصرية على سلطات عدة، من بينها سلطة الوالدين في الأسرة.

كما ينبغي تسليط الضوء على المكانة التي تحتلها مؤسسة الأسرة عالميًا، فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة. كما أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الأسرة تمثل شريكًا رئيسًا في مكافحة الفقر، وفي الجهود الرامية إلى تحقيق الأهداف التنموية ورفاه الإنسان، وأن استقرار الأسرة يُعد عنصرًا جوهريًا من عناصر التنمية المستدامة.

ينبغي أن يكون هناك حوار قوي هدفه البحث عن حلولٍ لتقليل نسب الطلاق التي أشار إليها فخامة رئيس الجمهورية أكثر من مرة، وتعزيز دور “مكاتب تسوية المنازعات الأسرية” قبل اللجوء إلى القضاء، وهي مكاتب قانونية تم تأسيسها بالقانون رقم 10 لسنة 2004، ويمكن الاستفادة في ذلك من الأزهر الشريف و”وحدة لم الشمل” التابعة لمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، وما اكتسبته من خبرة عظيمة في باب المصالحات الزوجية نتج عنها إعادة شمل أكثر من 200 ألف أسرة في ربوع مصر.

إن الحفاظ على تماسك الأسرة هو حجر الأساس الذي يقوم عليه استقرار المجتمع بأسره. وأي معالجة قانونية لا تنطلق من هذا المبدأ ستظل قاصرة عن تحقيق أهدافها الحقيقية. ومن ثم، فإن الواجب اليوم ليس فقط تعديل نصوص، بل إعادة توجيه بوصلة المثقفين والمؤثرين نحو دعم كيان الأسرة، والوقاية من تفككها، وبناء أجيال تنشأ في بيئة متوازنة آمنة. فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع، وباستقرارها تُصان الأوطان.

اترك تعليقاً