كتبت ـ شمس طه 

تابعت الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات ما أثير بشأن الإصرار على تنظيم فعاليات واحتفالات داعمة للمثلية الجنسية على هامش المباراة التي تجمع بين منتخبي مصر وإيران ضمن منافسات كأس العالم. وهي المباراة التي يمثل طرفاها دولتين لا تعترف تشريعاتهما الوطنية بهذه الممارسات ولا تتبناها ضمن منظومتهما القانونية والثقافية، وأن الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى احترام الخصوصية الثقافية والقيمية للشعوب المشاركة ومدى التزام المؤسسات الرياضية الدولية بمبادئ الحياد والتنوع التي تعلن التمسك بها.

 

 

وأضافت الجمعية، أن حماية التنوع الثقافي للشعوب لا تقل أهمية عن حماية أي حق من الحقوق الأساسية المعترف بها دوليًا. فكما تقوم المنظومة الحقوقية الدولية على حماية الإنسان من التمييز والعنف والكراهية فإنها تقوم أيضًا على احترام التعددية الثقافية والحضارية والدينية وحق الشعوب في الحفاظ على هويتها وقيمها واختياراتها المجتمعية، كما أن يظل احترام هذا التنوع أحد أهم الضمانات لتحقيق التعايش السلمي بين الأمم وتعزيز التفاهم المتبادل بين المجتمعات المختلفة.

 

وترى الجمعية أن الرياضة كانت عبر تاريخها إحدى أهم أدوات التقارب بين الشعوب وبناء جسور التفاهم الإنساني وتعزيز قيم السلام والاحترام المتبادل. ولذلك فإن الحفاظ على حياد الفعاليات الرياضية الدولية يمثل ضرورة أساسية لضمان استمرار قدرتها على جمع الشعوب بمختلف ثقافاتها وأديانها وتوجهاتها الفكرية تحت مظلة التنافس الرياضي الشريف بعيدًا عن الاستقطاب والانقسام.

وأكدت الجمعية أن ما قد تتبناه بعض الدول أو بعض الدوريات الرياضية المحلية من سياسات أو حملات أو فعاليات مرتبطة بقضايا اجتماعية أو ثقافية معينة يظل شأنًا داخليًا يعبر عن اختيارات تلك المجتمعات ومؤسساتها الوطنية. ومن ثم فإن تعميم هذه التوجهات على البطولات الدولية التي تشارك فيها دول وشعوب ذات خلفيات ثقافية وقانونية مختلفة يتعارض مع جوهر مبدأ احترام التنوع الذي يفترض أن يحكم العلاقات الرياضية الدولية.

وفي هذا السياق ترى الجمعية أن ما يحدث في بعض المسابقات المحلية الأوروبية وغيرها من البطولات الوطنية يعكس توجهات وسياسات محلية تخص المجتمعات التي تنظمها ولا يجوز التعامل معها باعتبارها نموذجًا عالميًا ملزمًا لجميع الشعوب أو معيارًا يجب فرضه خلال الفعاليات الرياضية الدولية التي تضم دولًا تنتمي إلى ثقافات وحضارات ومنظومات قانونية متباينة.

 

وتلفت الجمعية الانتباه إلى أن المؤسسات الرياضية الدولية سبق أن راعت الخصوصيات الثقافية والدينية للاعبين والجماهير في العديد من المناسبات المرتبطة بالرعاية التجارية والهوية التسويقية للبطولات الدولية.

كما أن مراعاة الحساسيات الثقافية والدينية في بعض الملفات التنظيمية والتجارية تؤكد أن احترام الخصوصية الثقافية ليس استثناءً على القواعد الدولية بل يمثل جزءًا أصيلًا من متطلبات الإدارة الرشيدة للفعاليات الرياضية العالمية. ومن ثم فإن تطبيق هذا المبدأ بصورة متوازنة على مختلف القضايا الثقافية والقيمية يعد أمرًا ضروريًا لترسيخ الثقة بين المؤسسات الرياضية الدولية والشعوب المشاركة في بطولاتها.

 

وأشارت الجمعية، إلى أن العديد من الشعوب الأصلية والمجتمعات التقليدية والمكونات الثقافية والدينية حول العالم تتمسك بحقها في الحفاظ على منظومتها القيمية وهويتها الحضارية وترفض إخضاع خصوصيتها الثقافية لضغوط خارجية أو لفرض نماذج اجتماعية لا تعبر عنها.

 

ويعد احترام هذا التنوع أحد المبادئ الجوهرية التي تقوم عليها التعددية الثقافية والحوار بين الحضارات وهو ما يستوجب مراعاته عند تنظيم الفعاليات الرياضية الدولية التي تستضيف جماهير ومشاركين من مختلف أنحاء العالم.

 

وأعربت الجمعية عن قلقها من الإصرار على تنظيم أو إبراز مثل هذه الفعاليات خلال مباراة مصر وإيران بما قد يفسر باعتباره تجاهلًا للخصوصية الثقافية والقانونية للدول المشاركة وجماهيرها. كما ترى أن احترام الجماهير القادمة من خلفيات مختلفة يقتضي عدم تحويل الملاعب إلى منصات للترويج لقضايا خلافية أو مثار جدل داخل قطاعات واسعة من المجتمع الدولي.

 

وفي هذا الإطار توجه الجمعية رسالة إلى الفيفا تدعوه فيها إلى تطبيق معايير متوازنة تقوم على احترام جميع أشكال التنوع الإنساني بما في ذلك التنوع الثقافي والديني والحضاري وعدم الاكتفاء بالنظر إلى التنوع من زاوية واحدة. كما تدعو الاتحاد إلى تعزيز مبدأ الحياد الرياضي وضمان ألا تتحول البطولات الدولية إلى ساحات لفرض توجهات أيديولوجية أو ثقافية على الشعوب المشاركة.

 

كما توجه الجمعية رسالة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها الدولة المستضيفة والجهات المنظمة محليًا بضرورة مراعاة الخلفيات الثقافية والدينية المتنوعة للوفود والجماهير القادمة من مختلف أنحاء العالم والعمل على توفير بيئة رياضية جامعة يشعر فيها الجميع بالاحترام والتقدير دون تمييز ودون فرض رسائل أو مواقف تتعارض مع خصوصياتهم الثقافية أو التشريعية.

 

رفض العنف والكراهية والتمييز ضد أي إنسان

وأوضحت الجمعية أن الدفاع عن الكرامة الإنسانية ورفض العنف والكراهية والتمييز ضد أي إنسان يظل مبدأً أساسيًا لا خلاف عليه. غير أن احترام الكرامة الإنسانية لا ينبغي أن يكون مدخلًا لتهميش خصوصيات الشعوب أو تجاوز حقها في الحفاظ على هويتها الثقافية والدينية والقيمية. فالتعددية الحقيقية لا تتحقق من خلال فرض رؤية واحدة على الجميع وإنما من خلال الاعتراف بحق الجميع في الاختلاف والتعايش في إطار من الاحترام المتبادل.

 

نجاح الرياضة الدولية في أداء رسالتها الإنسانية

وأكدت الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات أن نجاح الرياضة الدولية في أداء رسالتها الإنسانية يظل مرهونًا بقدرتها على جمع الشعوب لا تقسيمها وعلى احترام اختلافاتها الثقافية والحضارية لا السعي إلى توحيدها قسرًا تحت رؤية واحدة.

 

حق الشعوب في الحفاظ على هويتها الثقافية والدينية والحضارية

كما تدعو الفيفا والجهات المنظمة للبطولات الدولية إلى ترسيخ مفهوم متوازن للتنوع يحترم الإنسان وكرامته ويحترم في الوقت ذاته حق الشعوب في الحفاظ على هويتها الثقافية والدينية والحضارية باعتبارها جزءًا أصيلًا من التراث الإنساني العالمي.

اترك تعليقاً