كتبت ـ شمس طه
أطلق مجلس الشباب المصري أولى جلسات الاستماع ضمن مسار حواري موسع حول مستقبل الحركة والأنشطة الطلابية في الجامعات المصرية، بالتزامن مع مرور خمسين عامًا على لائحة 1976، في خطوة تستهدف فتح نقاش ممتد حول واقع العمل الطلابي وتطوره، والأطر المنظمة له، وسبل تعزيز المشاركة وبناء قدرات القيادات الطلابية والحفاظ على الخبرات المتراكمة للحركة الطلابية المصرية عبر أجيالها المختلفة.
وشهدت جلسة الاستماع الأولى مشاركة قيادات ورؤساء اتحادات وممثلين عن الحركة والأنشطة الطلابية في سبع جامعات حكومية وخاصة، إلى جانب عدد من رموز الحركة الطلابية المصرية من أجيال مختلفة، وأعضاء هيئة التدريس وأصحاب الخبرات في مجال الأنشطة الطلابية، فضلًا عن قيادات برلمانية وممثلين عن منظمات المجتمع المدني.
وشارك في الجلسة الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، والنائبة إيفا فارس، عضو مجلس الشيوخ، والدكتور أيمن الدهشان، رئيس قطاع بناء الكوادر بمجلس الشباب المصري، والمستشار وجيه صادق، مستشار التخطيط الاستراتيجي بالمجلس، وعدد من قيادات المجلس، فيما أدار الجلسة عمار محمد، منسق الفريق الوطني للتطوع.
وتأتي الجلسة باعتبارها البداية لسلسلة من جلسات الاستماع التي يعتزم مجلس الشباب المصري تنظيمها خلال المرحلة المقبلة، لتوسيع دائرة المشاركة لتشمل مزيدًا من الجامعات والقيادات الطلابية والأكاديميين والخبراء ورموز الحركة الطلابية من أجيال متعددة، وصولًا إلى بلورة رؤية متكاملة تستند إلى الخبرة والممارسة الفعلية واحتياجات الطلاب.
وتناول النقاش واقع اتحادات الطلاب والأنشطة داخل الجامعات، ومدى مواكبة الأطر المنظمة للعمل الطلابي للتحولات التي شهدها المجتمع الجامعي واحتياجات الأجيال الجديدة، إلى جانب التحديات التي تواجه القيادات الطلابية في ممارسة أدوارها، وآليات توسيع قاعدة المشاركة، وتطوير قنوات التواصل بين الطلاب والاتحادات والإدارات الجامعية.
كما ناقش المشاركون أهمية تحقيق التوازن بين وجود إطار تنظيمي واضح للعمل الطلابي وبين إتاحة المساحة أمام الشباب للمبادرة والإبداع وتصميم الأنشطة، مع مراعاة تنوع الجامعات واختلاف تجاربها وطبيعة اهتمامات طلابها.
وشهدت الجلسة نقاشًا موسعًا حول ضرورة الانتقال من التعامل مع التجربة الطلابية باعتبارها مرتبطة فقط بسنوات الدراسة إلى النظر إليها باعتبارها مسارًا لصناعة القيادات وتراكم الخبرات، خاصة أن أجيالًا متعاقبة من رموز وقيادات الحركة الطلابية انتقلت بعد التخرج إلى مجالات أكاديمية ومهنية ومجتمعية وعامة مختلفة.
وأكد المشاركون أهمية إيجاد مساحات تسمح باستمرار التواصل بين هذه الأجيال والقيادات الطلابية الحالية، بما يتيح نقل المعرفة والخبرة وعدم البدء من نقطة الصفر مع كل جيل جديد، والاستفادة من التنوع الكبير في التجارب الموجودة داخل الجامعات المصرية.
وقال الدكتور محمد ممدوح إن مرور خمسين عامًا على لائحة 1976 يجب ألا يقتصر على استعادة محطة مهمة من تاريخ العمل الطلابي، وإنما يمثل فرصة لفتح نقاش أكثر عمقًا حول ما الذي تحتاجه الحركة الطلابية خلال العقود المقبلة، وكيف يمكن الحفاظ على ما أنتجته الجامعة المصرية من خبرات وقيادات عبر أجيال متعاقبة.
وأكد ممدوح أن «الجامعة المصرية لم تكن يومًا مكانًا للدراسة الأكاديمية فقط، وإنما كانت ولا تزال واحدة من أهم مساحات اكتشاف القيادات وتعلم المسؤولية والعمل الجماعي والمبادرة، والتحدي الحقيقي هو ألا تنتهي هذه الخبرة بمجرد تخرج الطالب، وإنما تتحول إلى رصيد معرفي ومجتمعي ينتقل من جيل إلى جيل».
وأضاف أن جلسة الاستماع الأولى لا تستهدف تقديم نموذج جاهز أو الوصول إلى نتائج معدة مسبقًا، وإنما تؤسس لمسار يقوم على الاستماع أولًا ثم البناء على ما يطرحه أصحاب التجربة أنفسهم، موضحًا أن مشاركة الطلاب الحاليين إلى جانب رموز الحركة الطلابية من أجيال سابقة والأكاديميين والبرلمانيين والمجتمع المدني تتيح قراءة أكثر شمولًا لواقع العمل الطلابي ومستقبله.
وأشار إلى أن تطوير العمل الطلابي لا ينبغي اختزاله في مناقشة اللائحة وحدها، رغم أهميتها، وإنما يمتد إلى تطوير البيئة المحيطة بالتجربة الطلابية، وبناء القدرات القيادية والبحثية للشباب، ودعم المبادرات، وإنتاج المعرفة، والعمل التطوعي والمجتمعي، وإتاحة مساحات أوسع للتدريب والتبادل والتواصل مع التجارب المختلفة.
وأوضح رئيس مجلس أمناء مجلس الشباب المصري أن المجتمع المدني يستطيع أن يؤدي دورًا مكملًا لما تقوم به الجامعات، دون أن يكون بديلًا عنها أو عن اتحاداتها الطلابية، قائلًا إن «الجامعة تبني التجربة الطلابية، والمجتمع المدني يستطيع أن يوسع مساحاتها ويحافظ على أثرها، والمطلوب ليس إنشاء كيان ينافس ما هو قائم، وإنما بناء الجسور بين التجارب والأجيال والفرص».
وتطرق الحوار إلى أهمية الاستثمار بصورة أكبر في القدرات البحثية للطلاب، من خلال التدريب على البحث وجمع وتحليل البيانات وإعداد الدراسات والاستطلاعات وأوراق السياسات، بما يتيح للشباب ألا يكونوا فقط موضوعًا للدراسات المتعلقة بقضاياهم، وإنما شركاء في إنتاج المعرفة وصياغة الأفكار والحلول.
كما طرح المشاركون أهمية البدء في توثيق ذاكرة الحركة الطلابية المصرية من خلال تسجيل شهادات رموزها وقياداتها من أجيال مختلفة، وحفظ ما يتاح من وثائق وصور وتجارب ومحطات تاريخية، بما يتيح للأجيال الجديدة والباحثين الاستفادة من رصيد ممتد صنعته الجامعات المصرية على مدار عقود.
وامتد النقاش إلى دعم المبادرات الطلابية المتميزة وإتاحة المجال لتبادل التجارب الناجحة بين الجامعات، بحيث لا تظل التجربة الجيدة محصورة داخل الجامعة التي نشأت فيها، إلى جانب توفير مساحات للإرشاد ونقل الخبرة بين الخريجين والقيادات الحالية.
كما ناقشت الجلسة الدور الذي يمكن أن يؤديه المجتمع المدني في إتاحة فرص التدريب والمنح والبرامج البحثية والتطوعية والتبادل، وبناء قنوات للتواصل مع الشبكات والمنصات الطلابية والشبابية إقليميًا ودوليًا، بما يسمح للشباب المصري بالاستفادة من الخبرات الدولية، وفي الوقت نفسه تقديم التجربة المصرية وتاريخها الممتد إلى الخارج.
من جانبها، أكدت النائبة إيفا فارس، عضو مجلس الشيوخ، أهمية دعم الاتحادات والأنشطة الطلابية باعتبارها من المساحات المهمة لإعداد الشباب لتحمل المسؤولية وتنمية مهارات المشاركة والعمل الجماعي، مشددة على أهمية الاستماع المباشر إلى الطلاب والاستفادة من خبراتهم ومقترحاتهم عند مناقشة أي تطوير للأطر المنظمة للعمل الطلابي.
وأكدت المناقشات كذلك أهمية دور أعضاء هيئة التدريس وأصحاب الخبرات المرتبطين بالأنشطة الطلابية، وضرورة وجود مساحات تجمع الخبرة الأكاديمية بالممارسة الطلابية والمجتمع المدني، بما يساهم في تطوير نماذج أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات التي يشهدها الشباب والجامعات.
وأوضح مجلس الشباب المصري أن جلسة الاستماع الأولى تمثل بداية لمسار تشاوري ممتد وليست فعالية منفردة، وأن الفترة المقبلة ستشهد عددًا من جلسات الاستماع بمشاركة جامعات وتجارب وأجيال أخرى، بما يسمح بتوسيع قاعدة المشاركة وتجميع الرؤى والمقترحات قبل صياغة المخرجات النهائية.
وأشار المجلس إلى أن من بين التصورات التي يجري تطويرها في ضوء هذا المسار تأسيس «منتدى الحركة الطلابية» باعتباره منصة مدنية مستدامة ومكملة للعمل داخل الجامعات، تجمع رموز وقيادات الحركة الطلابية من أجيال مختلفة بالقيادات الحالية والخريجين والأكاديميين والباحثين وأصحاب الخبرات.
ويستهدف التصور المبدئي للمنتدى بناء القدرات القيادية والبحثية، وإطلاق لقاءات دورية للحوار بين الأجيال، وتوثيق ذاكرة الحركة الطلابية المصرية، ودعم المبادرات والتجارب الطلابية المتميزة، وإتاحة الفرص والتدريب والتبادل، وبناء مساحات للتشبيك المحلي والإقليمي والدولي، على أن تتبلور رؤيته وأولوياته وآليات عمله استنادًا إلى نتائج جلسات الاستماع ومشاركة أصحاب التجربة أنفسهم.
وأكد مجلس الشباب المصري أن فلسفة المسار تقوم على أن مستقبل الحركة الطلابية لا يمكن أن يصنعه طرف واحد، وإنما يتطلب حوارًا يجمع الطالب الحالي بمن سبقه، والخبرة الطلابية بالخبرة الأكاديمية، والجامعة بالمجتمع المدني، والتجربة المصرية بالتجارب المختلفة حول العالم، مع الحفاظ على الدور الأصيل للجامعات واتحاداتها ومؤسساتها.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على مواصلة جلسات الاستماع خلال المرحلة المقبلة، والعمل على توسيع تمثيل الجامعات والأجيال والتجارب المختلفة، وصولًا إلى رؤية تستفيد من التاريخ الممتد للحركة الطلابية المصرية وتستجيب في الوقت نفسه للتحولات التي تشهدها الجامعات واحتياجات الأجيال الجديدة.
وبعد خمسين عامًا من لائحة 1976، يسعى مجلس الشباب المصري إلى أن يكون اليوبيل الذهبي للعمل الطلابي نقطة انطلاق لا محطة للاحتفاء بالماضي؛ لفتح حوار حول مستقبل الحركة الطلابية، وحفظ ذاكرة أجيال صنعت تاريخها، والاستثمار في أجيال جديدة ستكتب فصولها المقبلة داخل الجامعة المصرية وخارجها.
السياسي الحقيقة شعارنا..والمصداقية طريقنا